كي لا يموت الحراك


Photo credit: http://www.layalk.net

 

أسعد ذبيـان

شباب السفير

 

سأبتعد عن الجمل الجاهزة من نوع “حرصاً على جهود ونضال الشباب اللبناني” أو “لأنّنا نعد خط الدفاع الأخير من أجل الدولة المدنية في لبنان” أو أي من مصطلحات استثارة العواطف التي اعتادت الآذان على سماعها كلّما تسلّم أحدهم منبراً أو ميكرفوناً. لهذا ومن باب الحرص على إنسانيّتي وحقوقي المدنيّة واحترامي ككيانٍ بشريّ بغض النظر عن جنسي وطائفتي ومنطقتي، وكمراقب عن كثب لخطوات التحرك، أتمنى أن يكون لي حق نقد حراك أملك فيه أسهماً مثلما يملك أي لبناني آخر.

حتّى الآن أنتج الحراك الشبابي اللبناني مظاهرتين حاشدتين وعدة تحركات ميدانيّة، من ضمنها خيم متفرقة في العديد من المناطق، ولكن ما لم ينتجه بعد هو صياغة ما يريد. عندما تظاهرت الأطراف الطائفيّة الأخرى كانت تعي ماهيتها وتدرك ما تريد: “إخراج السوريين أو شكرهم، إقامة محكمة دولية أو رفضها، التمسك بسلاح حزب الله أو المطالبة بإسقاطه..”. وبغض النظر عن مشروعية هذه المطالب وخلفياتها الطائفيّة والتحريضية والمعتمدة على استثارة الغرائز إلا أنّها كانت ملموسة وقابلة للقياس والتحقق في ظرف زمني معيّن.


هنا الفجوة الأولى بين مشروعيّة طرح الدولة المدنية وإلغاء الطائفيّة ومحاسبة مستغلي المال العام، وبين غياب الآلية المعتمدة لهذا الطرح. حتى الآن لم يجاوب أحد على بعض الأسئلة المفصلية، والأرجح أن هناك انقساما حول: هل سيتم التغيير من خلال النظام الطائفي الحالي أو من خارجه؟ بمعنى آخر: هل من الممكن التعامل مع المجلس النيابي الحالي لإقرار قوانين إصلاحيّة أم أنّه فقد الأمل من هذه الطبقة السياسيّة؟ وفي حال تمّ اعتماد أي من القرارين، فكيف السبيل لهذا العمل؟ حكومة تكنوقراط تتبنى في بيانها الوزاري بندي قانون انتخابات نيابي على قاعدة النسبيّة وقانون أحوال شخصية مدني جديد؟ أو سلطة دستورية/ قضائية معينة تحل مكان مجلس النواب لإقرار هذه المشاريع؟!

السؤال الأهم هو: في حال تمّ اعتماد أي من الطرحين وجرت انتخابات نيابية جديدة وتمّ انتخاب بعض رموز هذه السلطة ذاتها، فهل يعتبر الأمر شرعيا وتستكمل العمليّة الديمقراطيّة أم كما ينادي البعض، لا ثورة من دون محاسبة ورمي هذه الرموز في الزنزانات؟ ومن سيرميهم؟ أي قوى شرعية وممّن تؤتمر؟ هل يصدق الناس أنّ السلطات الأمنيّة والعسكريّة في لبنان بكامل عديدها وضباطها موالية للدولة أكثر من ولائها للطائفة؟

يكمن التحدي الثاني في التوثيق لمغالطات هذا النظام والفساد الناتج عن الزبائنيّة والمحسوبيّة، وذلك من خلال نشر كل ما نتج في السنوات الماضية عن عيوب وانتهاكات بحق الإنسان اللبناني. يبدأ هذا التوثيق من الأمور الصغيرة مثل أعداد الموظفين المنضمين إلى الإدارات العامة والجيش وقوى الأمن وغيرها التي تراعي طائفيّة الأشخاص المتقدمين لا كفاءاتهم، فتشد العصب القبلي والولاء لزعيم العشيرة الطائفيّة في كل إدارات الدولة. ولا تنتهي عند فضح أمور جرى التناقش على توزيع الحصص فيها مثل الأملاك البحريّة، وصناديق المهجرين والجنوب واللجنة العليا للإغاثة وإعادة إعمار الضاحية الجنوبيّة. وكذلك فضح ممارسات التعذيب أثناء التحقيقات في السجون اللبنانيّة، وشبكات الدعارة والمخدرات التي تحدث عنها منذ فترة مفتش عام متقاعد في الأمن العام على شاشة التلفاز، ومشاركة العديد من قيادات الأحزاب اللبنانيّة في تجارة الممنوعات وتغطية أنشطة مافيات تسرح وتمرح وتتحدى هيبة الدولة.

ولأنّ الإعلام اللبناني ممسوك من أطراف سياسيّة يضرّها أن تفضح الحقائق، على هذا الحراك الاعتماد على وسائله الإعلاميّة الخاصة، وبما أنّ المتاح حالياً هو شبكة الإنترنت فيجب استعمالها. أمّا التعامل مع وسائل الإعلام الحالية فلا يمكن أن يكون مبنياً على رفضها أو الابتعاد عن جمهورها. المطلوب هو التعامل بحذر مع وسائل الإعلام هذه، فالظهور خلال المشاركة في مسيرة من أجل دعوة الناس للمشاركة في تحركات قادمة هو شيء، أمّا التصريح باسم الحراك ككل فهو أمر آخر، أمّا الأسوأ فهو الانجرار لأجندات قنوات طائفيّة تدعو المنظمين لبرامج حواريّة وتحاول تصوير أنّ صاحبها (طرف سياسي معيّن) هو الداعم الأوّل لهذا الحراك. لا يكمن الخوف من  الدعم إنّما من انجرار الخصم السياسي لتصديق هذه المقولة وحشر حملة إسقاط النظام الطائفي في لون سياسي واحد.

يدفع هذا الكلام إلى الحديث عن تحدي آخر يكمن في نوعيّة التخاطب مع اللبنانيين الذين يجدون أنفسهم حالياً خارج هذه الدائرة، فتعيير الناس على أنّهم ينتمون إلى حزب طائفي لن يجر إلى أي مكان، ولكن مراوغة المنتفعين من الأحزاب والتصوير على أنّ الحراك يستوعبهم فهو أمر غير مستحب كذلك. يجب الفصل بين المناصر والمنتفع، الأول مظلوم يستغل من قبل البعض لإبقاء مشروع الانقسام كحل بديل وكموروث ثقافي عثماني اسمه “فرق تسد”، في حين أنّ من يعي بأنّ الدولة المدنية هي الحل واختار منذ سنوات أن يبقى في حزبه منتفعاً وراضياً فهو عن الحق ساكت، وتكملة المثل معروفة. فكل حديث عن دعم أي سياسي لهذا الحراك يجب أن يبرهن بالفعل لا بالكلام فحسب، والفعل هو في أيدي ترفع موافقةً على تصويت داخل المجلس النيابي لقوانين تساوي بين اللبنانيين.

هذا كلّه على صعيد التعامل مع الآخرين، أمّا التعامل الداخلي فهو أساسيّ كذلك. هذا الحراك لا قائد له حتّى الآن، على الأقل رسمياً، وهو يحتاج أن يكون وسطياً بين فوضوية فضفاضة لا يتحكم بها ولا تشترى، وبين سلطة قادرة على اتخاذ بعض القرارات بعيداً عن إضاعة الوقت في إعادة النقاش بين مئاتٍ يصر كلّ منهم على الإدلاء برأيه. ولكن يفترض بهذه اللجان أو الهيئات المشكلة التمسك ببعض القواعد، بدايةً بالكفاءة في وضع كل طاقة بشرية في المكان الأنسب الذي يمكن أن تستثمر فيه. والمبدأ الثاني هو القدرة على الحسم وإلزام الجسم التحضيري في هذا الحراك في القبول فيما تقرره اللجان ذات الخبرة، على أن تؤخذ بعين الاعتبار الآراء الناقدة البناءة المبتعدة عن “الشخصنة”. ومن صفات هذه اللجان أن تكون السلطة فيها بالمداورة تنتهي مهام منسقها بعد فترة زمنية لكي لا يرتهن قرار الحراك في أيدي حفنة من الأفراد، أمّا العنصر الأهم فهو أن تبقى هذه الألقاب والمناصب وغيرها داخليّة وألا يخرج أيّ من أصحابها على الإعلام بصفته “مسؤولاً” أو “منسقاً”، إنّما التحدث بصفته الفرديّة. يتوّج كل ذلك بتواضع من قبل الأفراد في معرفة مهامهم والالتزام بها.

أمّا المحكمة والسلاح، فهي بنود خلافيّة من موروثات النظام الطائفي الحالي ولا مناص منها سوى بدولة مدنيّة تحوّل النقاش من عصبيّة طائفيّة إلى نقاشٍ حضاريّ سقفه القانون وحرية الأفراد في التعبير عن الرأي من دون تخوين أو ترهيب. أمّا قصة الأعداد فهي أمر آخر، نسبة التصويت في لبنان في أفضل حالاتها ستون بالمئة، ومن هم بين الثامنة عشر والواحد والعشرين يشكلون كذلك نسبة تقارب الـ 15% من السكان، هذا يعني أنّ السلطة المنبثقة حالياً (بقطبيها 8 و14) لا تشكل سوى نصف آراء من يجدر بهم التصويت (هذا بعد الترهيب والتحريض وشراء الأصوات). ولكن قبل الدخول في لعبة الرياضيات، يجب أن يفهم بأنّ المطالب التي يرفعها الشباب لا تحتاج إلى أكثريّة لأخذ شرعيتها، إذ أنّ المواد الدستوريّة تفترض حق اللبنانيين في المساواة، واتفاق الطائف ينص على ضرورة تشكيل هيئة إلغاء الطائفية السياسية، من جملة إصلاحات أخرى مثل مجلس نيابي خارج القيد الطائفي. لعبة الأعداد لا قيمة لها عند المقارنة بالحق الإنساني ومبدأ المساواة.

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s