تقاسيم ما بعد العراك


 

أسعد ذبيـان

 

يجلس الناقد على كرسيّ منخفضٍ في عقل الأنا، يقف الشاهد ليدلي بما رآه على الخشبة. كلنا أنجبتنا الحياة، كلنا أبناء الأنثى، جئنا بوجعٍ، بمخاض.. جئنا عراة. يموت بعضنا، ينسحبون عن خشبة المسرح ببطءٍ، يختفون خلف الستار المنسدل. يبقى قلّة، يرقص كلّ منهم على طريقته. يصادفون المادة.. المادة تغري، يجهلونها قتجذبهم، يلمسونها فتشدهم إليها، يتعلقون بها.. يبدأ الصراع! لكلٍ سلاحه، لكلٍ طريقته في النزاع. بعضنا دبلوماسيّ يدغدغ الآخر ليرحل، وبعضنا يصفع، يضرب، يقضم وبوحشيّة.. حتى يطوّع المادة فيضرب بها! ننجب، نكثر من أتباعنا، نصنع قبيلة. “ولدت القبيلة الشيوعية لتخدم موسكو الأنا، ولم تولد الأنا لتخدم القبيلة”, نفسّر الأمور حسب مصالحنا. نتعثر باكتشافاتٍ جديدة: النار والماء. يتطوّر عقلنا بعض الشيء، نطوّع ما تقع يدينا عليه.. نتعثّر بحسناء في الغابة، فتعترينا الشهوة، نحاول الحصول عليها، ينافسنا آخرون، نقاتلهم، تقاتلهم القبيلة، قبيلتنا تقاتل قبيلتهم، نفني بعضنا، نروي الأرض بدمائنا، تنتصر الشهوة، ينتصر الطمع! نتعثر بالدولاب، يسرع بنا.. ننتقل في البعدين الأولين (زمان ومكان) بوتيرة مغايرة، نكرر ما سبق.. نولد، يموت بعضنا، نكتشف، إغراء، صراع، يموت بعضنا، نتكاثر، اكتشافُ أكبر، إغراء أكبر، صراع أكبر، يموت أكثر..

“الفارق أنّه عندما ضرب قايين أخاهُ هايين لم يعرف بأنّه قتله، وبأنّ القتل جريمة.. نحن كنّا نعرف، ومع ذلك قتلنا، ثم أضفنا إلى القتل فنوناً.. قتلنا بشراسة، بفظاعة، بثأر.. (فنحن) عندنا فجع!  فجع لا يرتوي إلا من الفجيعة.. المجزرة! (نحن) سلالة قايين تحكمنا، فهل نقطع حبل السرة؟”.

ينتقل المشهد، يثبت اللون أسود حداداً.. تبقى الوسائل بدائيّة لأنّ العقل البشري بدائيّ في صراعه على المادة، وحدها الأساليب تطوّرت.. ما زال الجمهور كما هو، مجموعة من المثقفين والناقدين والكتّاب وجوقة “لا حول ولا قوّة” كلّها.. الشخصيّات محت أميتها، محت موتها، تتكلّم (عنّا): “أنا قتلت في 11 تموز 1988.. كانت الأرض تنهار من تحتي/ أنا قتلت وأبي في العام 1976 في الأشرفية / أنا قتلت في العام 1982، كان عندي 16 سنة، قالوا أنني جاسوس إسرائيلي، قوّصوا رجلاي وركبتاي وثمّ رأسي / أنا قتلت في 5 أيلول 1983 .. اقتحموا القرية وكنت وأمي وأختاي نحاول الهرب”.. تكلّموا عنّا وعن أنفسهم! وأضافوا إلى الجمل الواردة أعلاه اسماءهم، وأعماراً تفهمها ساعاتنا الرمليّة، وطوائف يفهمها عيشنا المشترك.. أضافوا أسئلة: “هل يعرف أحدهم بأنني مت؟ لماذا لا يحتفل أحدهم بعيدي؟ لماذا محوتم عيد ميلادي؟”.. اجتمعوا في المقابر بعد أنّ فرقتهم الحرب، اجتمعوا ليحاربوا سويّة.. يحاربوا من؟ نسياننا؟ ذاكرتنا الجماعيّة الممحاة؟

 

يتّكلّم الضمير عنهم من برجٍ: “في الحرب يتكلّم الموت، وتتكلّم الضحية، ويتكلّم القاتل.. (عندنا) تكلّمت الحرب وتكلّمت الضحايا، والشهود، والأحباب، والمفجوعين.. وما زلنا ننتظر أن يتكلّم القاتل.. لم يتكلّم لأنّه يفضّل اعتذاراتنا نحن الضحايا”. في التقاسيم لونٌ أسود، لأنّ الحزن يلفّ ماضينا المشوه، وفي التقاسيم دروع من عصرٍ جاهليّ لأنّه التاريخ الوحيد الذي يدرّسونا إيّاه.. في الشخصيات تقاسيم وجوهٍ حاقدة، ووشومٍ تملأ الأجساد لأنّها تفضح إلى أيّ جهةٍ ينتمون، فيقتلون حسب مطابقتها للعدو الذي يرسمون وجهه بغسل الدماغ! “ونأتي بالطائفيّة لنحمي القتلة الذين قتلونا، لا بل لنؤمن لهم مراتب سياسيّة.. نحمي أمراء الأزقة، أمراء الشوارع، أمراء الخراب، ثم نطوّبهم بشفاعة الطوائف الروحيّة!”

 

من هم القتلى؟ هم بيننا.. هم حسب الصوت وصداه على الخشبة بعشرات الألوف.. كلّ 4 خطفوا واحد، ورقم المخطوفين 20.000، عمليّة حسابيّة بسيطة.. كل رجلٍ قتل خمسة، وعدد القتلى مئتي ألف، عمليّة حسابيّة أخرى.. في الكتيّب الموزّع بين الأيدي، وفي الحناجر الناطقة بلغاتٍ متعددة على الخشبة الجمل عينها: “ولأنّ الذاكرة تكاد تقفل على دمٍ مغدور.. ولأنّ الحرب اللبنانيّة هي مستقبلنا. ولأنّ العنف عقيدة لبنانيّة وأيديولوجيّة سهلة التناول.. ولأنّ عفواً صدر عن المجرمين وسمح لهم بامتهان السياسة والتربية والإعلام والثقافة، بلا تأنيب..”، لكل ذلك كان على المخرج أن يصنع قاتلاً ليقول ما لديه.

 

يكوّن أبطال القصّة حلبة، يقفز إلى داخلها اثنين. يتقاتلون، يضربون بعضهم، يقفزون عالياً كالقردة ليصفعوا الخصم على وجهه أو ظهره أو رأسه.. يتصايحون.. يدوسون بأقدامهم.. ومن ثمّ تأتيهم صفارة، يتوقّفون! يخرجون ليدخل غيرهم، يتبدّل المحاربون بوشومٍ مختلفة، والبقيّة في خارج الحلبة، يدورون.. يصفقون.. يهتفون.. يشجعون هذا أم ذاك.. ولا أحد منهم يعرف متى يأتي دوره. وحده صاحب الصفارة الذي لا يدركه أحد يعرف! ولكن لا بأس في ذلك، طالما أنّ القتل والخطف والضرب والسحل من أجل كذبة الحفاظ على الوجود..

 

يحاول القاتل أن يحكي من عند الطرف، صوته منخفض ويكاد لا يسمع: “أعتذر على اعتباري نفسي إله.. اعتذر عن قتلي الناس بسبب.. عن تعصبي.. عن قتلهم مباشرةً أو بواسطة وسيط..”. يبقى الصوت خافتاً لأنّه لم يحصل بعد، وحدها الحناجر الناطقة بـ”لا” يعلو صوتها علّها تصل آذان من قالوا للقاتل “نعم”.

 

يتبدّل مصدر الصوت، يتبدّل الصدى ومن يردد الهتاف، تتبدّل اللغة، يتبدّل النسق المعتمد في كلام الشخصيّات.. يتبدّل كل شيء، ولكن يبقى المضون واحداً.. ذلك لأنّه ولو مهما دوّرنا الزوايا، هناك حقيقة واحدة: ما زال القاتل بيننا. القاتل بيننا يحكي في الشرف، في المبادئ، في المقاومة، في المحكمة، في السلاح، في الأخلاق، في الدين، في الدفاع، في الإدارة.. ولكن أبداً لا يحكي عمّا اقترفته يداه الملوثتين. “القاتل إن حكى” يبقى كتابٌ بين دفتين، وعرضٌ مسرحيّ يجسّد تقاسيم ما بعد العراك.

 

 

2 thoughts on “تقاسيم ما بعد العراك

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s