جريدة السفير: صوت الذين لا صوت لهم؟


رسالة مفتوحة إلى الناشر الأستاذ طلال سلمان

حضرة ناشر جريدة “السفير” اللبنانية الأستاذ طلال سلمان المحترم،

آملاً ان يصدق القول: “ربّ صدفةٍ خيرٌ من ألف ميعاد”.

لم يتسنّ لي أن ألقاك سوى مرّة واحدة، كان يومها الفنان جورج الزعني يقيم معرضاً في مسرح المدينة، وكنت آنذاك متدرباً في الزميلة جريدة “النهار”. وعندما سنحت لي الفرصة أن أكتب بين دفتيّ “صوت الذين لا صوت لهم” لم يتسنّ لي اللقاء بحضرتك. وبما إنّي لا أدرك معرفتك بتفاصيل أواخر تجربتي مع جريدتكم، اسمح لي أن أسلسل لحضرتكم الحكاية.

على غرار العديدين.. تجرّني قدماي كل يوم، ونهار الأربعاء بالتحديد (موعد صدور صفحة “شباب” في جريدة “السفير”)، إلى أقرب كشكٍ لشراء الجريدة. في 13 نيسان، تزامن العدد مع ذكرى الحرب الأهليّة، وكنت قد منّيت النفس بموضوعٍ ينشر لي عن أولئك الذين لا انتماء لهم. كتبت في الموضوع: “عندما ولدتني أمّي، لم أختر اسمي. وعندما بعثوني إلى المدرسة، لم يخيّرني أحد أي لغة لأتعلمها، فرض المجتمع عليّ العربيّة، وتولّت المعلمات الإنكليزيّة. حين انطلق والدي ليضع اسمي في القيد (لاحظوا الإسم)، لم يسألني أحد عن اسم العائلة، ولا عن الطائفة. وعندما طُلب منّي تأدية النشيد الوطني، لم أكن قبلها أعرف لأيّ وطنٍ أتبع، أصلاً لم يكن لي خيارُ الإنتماء أو التعلّق..” يومها، لم أنظر إلى عناوين الصفحة الرئيسيّة، بل سارعت إلى دفتي صفحاتٍ تحمل الرقم 9 و10 لأرى ذلك الإسم الذي لم أختره يمهرُ أحد المواضيع. لم أجده. عاجلت مسؤول الصفحة برسالة نصيّة: “شكراً لأنّك خيّبت أملي”، جاءني الجواب: “هناك مشكلة بسيطة مع الإدارة معك. سأشرح لك لاحقاً”.

إشكاليّة صيدا ومنعي من الكتابة في جريدة “السفير”

هنا تبدأ القصّة. يخبرني مسؤول الصفحة بأنّ المشكلة تكمن في نشاطي في حملة “إسقاط النظام الطائفي ورموزه”، وعلى خلفيّة الإشكال الذي حصل مع النائب قاسم هاشم وبعض الصحافيين والمصورين في صيدا. قال لي: “لا يعد مهنياً أن تقول لبعض الزملاء أنتم لستم صحافيين – أنتم أبواق للسلطة”، ولذلك اتخذ أحدهم قراراً بوقف نشر مواضيعي بين طيّات جريدتكم. سيّدي الكريم، أنا لا أنكر التهمة، لا بل سأخبرك بما حصل معي، فقيّم الموقف. عندما زار النائب التظاهرة تضايق منه بعض الشباب فدعاه ليرحل، كنت مع الصحافيين نواكبه في خروجه. يصرخ زميل مصوّر: “نحن لا نريد تغطية المظاهرة بعد الآن، نحن نريد المغادرة مع النائب”. استفزني الأمر، قلت له أنّ ابداء الآراء ليس من واجبنا، وبأنّ عملنا يقتضي الموضوعيّة والعودة لتغطية الحدث. شتمني بعض من رافق النائب يومها (والحديث كلّه موثق بالصوت والصورة)، صرخت بهم (وهم الذين أحاطوا بالنائب منذ انطلاق المظاهرة ولحين مغادرته والفيديو يوضح ذلك أيضاً – ومنهم من لم يتوانى عن ضرب المتظاهرين بكاميرته – وإن كنت كاذباً فالعدسة التي التقطت الحادثة أصدق). نعم صرخت بهم: “هذه ليست صحافة، أنتم أبواق السلطة”. انبرى إليّ اثنين ممّن أحاطوا بالنائب وضربوني قبل أن يكملوا بالشتم والسباب.

—- تحديث وملاحظة: تسألني صديقة على خلفية الفيديو أعلاه: “لمن يجي مصور “زميل” لألك بالصحافة يضربك بالكاميرا و يشتمك أنت و كل عيلّتك و يهددك بانتهاك عرضك دفاعاً عن “رجل سياسي” غير مرحب به بالتظاهرة، بضل أسمو زميل؟”—-

حضرة الناشر، أنا لم أكن يومها صحافياً، بل ناشطاً يتضامن مع قضايا شعبه المطالب بالمساواة والعدالة ومكافحة الفساد وإسقاط طبقة عفنة عاثت في البلاد خراباً وحروباً. وأنا إن تعلّمت من الإعلام شيئاً فهو أنّ الموضوعيّة لا تعني ألا آخذ موقفاً، بل ألا أكذب حين أدلي بموقفي. أنا مع إسقاط النظام الطائفي ولكنّي لم أستخدم مهنتي لأحقق مآرب أو لأتملق أحداً. قرر بعض الزملاء أن ينحازوا كذلك، شاءت الصدفة بأنّ الجهة كانت متعارضة، فعلامَ يكافؤون هم وأعاقب أنا. يقول هاري ترومان: “إنني لم أعكر صفو حياتهم أبدا، إنني فقط أخبرهم بالحقيقة .. فيرونها جحيماً”.سيّدي الكريم، أنا تلقّيت صفعتين في صيدا، ذهبت آثارها بعد يوم، ولكنني تلقّيت صفعة أكبر من ذاك الذي قرر أنني لا أستحق أن أكتب في جريدتكم، ما تزال آثارها باديةً عليّ.

مسكينٌ الصحافيّ.. لبعده عن إدارة التحرير.. وقربه من الناس؟

حضرة الناشر، لديّ أم اسمها حريّة، ولي أب اسمه الصحافة، فلا تجعلني يتيماً. أفهم أن يطلب مني ألا يلتبس على القرّاء نشاطي السياسيّ بكتابتي الموضوعيّة، وأضعف الإيمان أن أناقش بالأمر، لا أن يتّخذ قرارٌ غيابيّ بحقي. أفهم أن يطلب مني الكتابة عن مواضيع لا شأن لها بالحراك (وفعلت)، وأضعف الإيمان أن يستمع أحدهم لروايتي عمّا حصل في صيدا (أو أقلها مشاهدة الفيديوهات).. سيّدي الكريم، لقد أمضيت إبّان الثورة في مصر معظم وقتي في غرفة على الطابق الرابع في الجريدة لا تتعدى مساحتها المترين مربعين، تشاركتها مع إثنين من الزملاء وأحيانا أكثر، لكنّها كانت بالنسبة لي بحجم العالم. أتعرف لماذا يا سيّدي؟ لأنّ السماء وحدها كانت حدودي في الصراخ مع جريدتكم بحق الشعب المصري في تقرير مصيره. رفعنا سقف الغرفة ليتسع لصوت الذين لا صوت لهم، فكيف أرضى أن أصمّ آذاني عن رفاقٍ في الشارع اللبناني، عفواً سيّدي، فليعذرني زملائي الصحافيين، لم أقدر سوى أن أنتقدهم.

يقول جريس هوبر: ” السفن تنعم بالأمان في الموانيء ، لكنها لم تصنع من أجل ذلك!..” سفينتي كان بإمكانها في صيدا أن تكون هانئة إن قبعت في ميناء الصمت، ولكنّها يا سيّدي اختارت أن تغامر في رحلتها. أنا أدرك أنّ الرياح عاتية ولكنني على يقين بأنّ النجم القطبي يبقى لامعاً ولو خلف الغيوم ليدلّ على الطريق. سيّدي الكريم، يلمّح البعض من أصدقائي المقرّبين أنّ غياب صوتي عن سماء “السفير” هو لأنّ من عارضته من نفس الخط السياسي الذي تنتمي إليه الجريدة، سخرت من تلميحاتهم، فأرجوكم أن تؤكدوا أنّهم خاطئين.

حضرة الناشر، بعضهم قرر أن يحرمني من فرصة أن يكون اسمي الذي لم أختره في نفس المطبوعة التي تضم أسماءً (مع حفظ الألقاب) مثل:

نصري الصائغ، سليمان تقي الدين، عباس بيضون، ساطع نور الدين، معتز ميداني، عدنان الحاج، يوسف برجاوي، غاصب المختار، 

حضرة الناشر، بعضهم قرر أن يحرمني من الإستمتاع بلقاء

جهاد بزي، سحر مندور، ملاك عقيل، داود رمال،  جعفر العطار، خلدون زين الدين، يوسف حاج علي، هيفاء زعيتر، جهينة خالدية، وغيرهم..

 يخطّون الأخبار ويركضون من المبنى ليلتقطوا بأعينهم قبل أقلامهم آخر الأحداث.

حضرة الناشر، بعضهم قرر  أن يحرمني من شرب القهوة أو الشاي بغرفةٍ مكللة بجوائز حصدتها مؤسسة حاضنة للحريّة، وصوراً لناجي العلي الذي دفع حياته ثمن ما رسمته ريشته يوماً في صفحات جريدتكم.. لا تحرمني فرصة شربها مع:

ابراهيم شرارة، حياة الحريري، آدم شمس الدين، ميثم قصير، غدي فرنسيس، علي السقا، رواند عيسى، ريتا فريد..

حضرة الناشر، بعضهم قرر أن يحرمني فرصة أن أكون زميلاً لورودٍ تسطّر كلّ أسبوع آماني الشباب العربي وأدبه وشعره وقضاياه..

لين هاشم، لمياء الساحلي، ناي الراعي، صفوان حيدر، أورنيللا عنتر، أمجد سمحان، عمر سعيد، هلال شومان، فاطمة خير، أمل كعوش

هؤلاء يا سيّدي بالنسبة لي كلّهم ليسوا بأبواق، إن قلتها يوماً فأنا لست بنادمٍ عليها لأنني مقتنعٍ بأنّ أيّ ممن ورد اسمه هنا لو كان مكاني لما قبل أن يشتم رفاقه من أجل رجلٍ من لحمٍ ودم شاءت الأقدار أيضاً أن تكون له صفة برلمانيّة..

ملاحظة: تأخر نشر هذه التدوينة شهر كامل بغية إفساح المجال أمام المراجعة مع إدارة جريدة السفير التي تبلّغت من قبل مدير صقحة شباب منها ما يلي: 

للأسف، لازم خبرك انو ما في امكانية للاستمرار بالنشر في شباب في هذه المرحلة لأسباب مرتبطة بالإدارة


24 thoughts on “جريدة السفير: صوت الذين لا صوت لهم؟

  1. حريتك ” أثمن ” من عمودٍ في جريدة، يكفي أن لك ” صوتاً ” سيصل حتماً، يستطيعون مصادرة ” عمودك اليومي لكن الفكر والحرية لا يصادران…

    أفهم ” لغة ” المؤسسة تماماً..

    وأقدر ” احترامك ” لذاتك ووطنيتك

    وهي الأهم.

    دمتَ بحب كارتفيلوس

    الغزلان تحب أن تموت عند أهلها.. الصقور لا يهمها أين تموت – غسان كتفاني
    هي منك، مارسها

    • يسلمو عفاف.. هوي كان استكتاب مش عامود يومي بس للتوضيح
      اشكر لك دعمك وثقتك.. تحياتي

  2. الصديق والزميل أسعد..
    بقدر ما أعجبتني كلماتك، بقدر ما آلمتني.. لا أعرف ماذا يحدث؟
    أتمنى أن تعود إدارة السفير عن قرارها..

    • عمر.. انا برأيي ما حصل يظهر بأننا ما نزال نحتاج الر جرعات أكبر من الديمقراطية وما أزال أعول على أصوات من لم يعرف ما حصل من دخل الجريدة.. تحياتي

  3. انسى حلك تعرف كل الجرايد بلبنان مسيسه
    هيدا منو شي جديد
    عا كل حال انت حر وصحافي وما حدا بقول عكس هيك ازا منعوك من نشر كتاباتك بالسفير
    هني الخسرانين

  4. منذ اليوم الذي عرفتك فيه، عرفتك شاباً صريحاً يقول كلمته مهما كلّفه الأمر، أملنا بشباب يفهم ويتنفّس ويعيش حرية يبقى فيما تمنياتنا لادارة الجريدة بأن تعيد الينا صوتاً صادقاً

    • شكرا حياتي.. على أمل انو كل العالم تكون متصارحة مع نفسها وتفهم انو الجرايد الواحدة ممكن يكون فيها اللون لأبيض واللون الأسود ومش ضروري كل الآراء تكون نسخة عن بعضها

  5. ما برأيي في داعي للزعل يا أسعد ..لم جريدة بدا توقفك عن العمل ..بسبب آراء شخصية عن حريتك الخاصة وكيفية الدفاع عنا فهي لا تستحق الجهد ولا حتى عناء الكتابة من قبلك … وبالنهاية ليس بالموقف الذي يصدم تعودنا عل المحسوبيات وتشويه الحريات والحقائق من الكثير من الصحافة المكتوبة.. خيرا بغيرا ..

    • لوووووووووووووووول.. المدونة كمان معقول تستعمل للسبام😛
      شكراً حبيبي

  6. عزيزي المدون\عزيزتي المدونة،

    لقد قمنا بدعوتكم مؤخراً للمشاركة في استبيان على الإنترنت يجريه كل من مركز بيركمان للإنترنت والمجتمع والأصوات العالمية على الإنترنت حول السلامة والأمان على الإنترنت للمدونين في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. على حد علمنا، نحن لم نتلق استجابتكم على الاستبيان بعد. يمكنكم المشاركة على الرابط التالي:
    http://new.qualtrics.com/SE?Q_SS=bxfFgMvNKM0y8Is_3lL0Mo11yPXn2lu

    سيبقى الاستبيان متوفراً إلى يوم 18 مايو-أيار\2011. لا تترددوا بالاتصال بنا في حال كانت لديكم أية أسئلة، ويمكنكم الاتصال بنا على عنوان البريد الإلكتروني التالي: mena-survey@cyber.law.harvard.edu

    شكراً مقدماً على وقتكم.

    مع كامل تقديرنا،
    فريق Bloggin Common
    مركز بيركمان للإنترنت والمجتمع في جامعة هارفارد

  7. حضرة الناشر، لديّ أم اسمها حريّة، ولي أب اسمه الصحافة، فلا تجعلني يتيماً…

    اسعد… اللي بيختار انو يكون حر، بدو يدفع ضريبة لأنو الحرية ما بتجي ببلاش.. وبهيك بلد هيدك بتكون الضرايب ..

    يعطيك العافية.

    • بعرف علوش.. اللي بيقهرك هوي إنو أنا على القليلة قادر كمّل هون.. شو منعمل بالناس اللي بتتسكر بوجها بواب وهيي ما عارفة شو معقول تعمل؟
      شكراً إلك حب🙂

  8. تنبيه: جريدة السفير: صوت الذين لا صوت لهم؟

  9. صديقي…
    إأنت بلبنان اذا ما كان في إلك “ضهر” … بتاكلا …أمثالنا يا بيشتغلوا على مبدأ تمسكن لتتمكّن ..يا بشوفوا شي شغلي لياكلوا…
    مقالاتك كانت رائعة في السفير … تفاءل

  10. من المؤسف انه نشوف السفير يوم بعد يوم عمتتنكر لهويتها. بالنهاية هني اللي خسروك، وموفق انشالله

  11. تنبيه: علي رمضان والثورة السورية.. والإعلام العربي « خربشات بيروتية

  12. تنبيه: علي شعبان والثورة السورية.. والإعلام العربي « خربشات بيروتية

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s