صراحة الماضي تحوله ماضٍ


يناقشني الحاضر عمّا فعل قبل وجودي، يخبرني عن شغفه بولدٍ أنا لا أحمل اسمه، ولا أمتطي قامته. يخبرني الحاضر عن يومٍ لم أوجد فيه، لا لأنني لم أكن قد ولدت بعد، ولكن شاءت الأقدار بأنني لم أكن في المكان والزمان المناسبين. يخبرني نهار الجمعة عن نهار الإثنين (واليوم في زماننا هو شهرٌ من مقاييس البشر). يخبرني عن أشهرٍ ماضية لم يكن فيها لبصماتي عليه أثراً. يشرح لي: “ذلك الولد ما أجمل عينيه، ما أطيب ضحكته..” لم يقلها لي بالحرف الواحد، لم ينطق بها ولكنّ عقارب الثواني في ساعته الكبيرة بين الثغرين وشت بما يلمّح إليه. يخبرني اليوم عن ولدٍ لم أمتلك قدرته على الغمر والإحتضان، عن ولدٍ لا يعرف أنّي جئت بعده وأنّ زمانه سيعود بعدي. يخبرني اليوم عن سرٍ كتمه عنّي يوم تعرّفنا لكي لا يثير شكوكي، وسرٍ سأكتمه كي لا أغيض ولداً شاءت له الدروب أن يولد قبلي، وينطق قبلي، ويكتب قبلي، ويعشقه حاضري. يخبرني الحاضر وهو في كرسيّ الإعتراف أمامي عن ذاك الولد الشقيّ، عن الولد الذي تعمشق من بين الصبية الآخرين. ذاك الذي خرج بين الفينة والفينة ليسرق ابتسامة ويزرع وردة في وقت الزمن الحاضر (الذي كان يوماً ما مجهولاً). يخبرني الحاضر عمّا حصل منذ ساعتين (والساعة في زماننا هي يومٌ في مقاييس البشر). يسرد لي كيف التقى بمحض الصدفة بذاك الشقي، وبقليلٍ من العبثيّة وكثيرٍ من الكارما، صودف أنني كنت معه أحنّط صورة لهما دون أن أعرف الفتى. يخبرني الحاضر عمّا حدث منذ هنيهة، وكيف أنّ الولد الذي لا أملك طول قامته، ولا عسل لسانه، ضمّ حاضري إلى صدره. وفيما يسرد لي الحاضر أخبار ماضيه، يدخل الماضي الخاص بي علينا. ينزل ماضيي درجاتٍ دائريّة لينظر إلى حاضري بطرف عينه. ولأنّ العبث سمة الحياة، كان الماضي يجلس على مقربة من الحاضر الذي يواجهني.

كان الحاضر قد بدأ حديثه كالتالي: “فلنفترض مثلاً بأنّ شيئاً من تبعات الأمس ظهر فجأة، ماذا تفعل؟”. أرد عليه: “متى حصل الأمر؟”. يتضايق من كلامي: “لا، لا، لنفترض”. ألح بالسؤال، فلا يجيب الحاضر إلا بـ: “التفاصيل الماضية ملكي، وأنت معنيّ بالآن”. أحاوره: “ولكنّ ساعتين من هذه اللحظة هم من وقتي أنا”. لا يملك حاضري سوى ابتسامة ليدحض حججي. ولأنّ بي نزقاً لمعرفة التفاصيل، أحوّر الحديث  للسؤال عن الفتى الذي عانق حاضري منذ ساعتين. كلّف الأمر ابتسامة ثانية لأؤكد شكوكي. يبدأ السرد عن الفتى الذي كاد من الممكن أن يكون حاضري حاضره.

يسألني الحاضر عن نصيحتي، فأطلب منه اللحاق بضربات قلبه. أرشد الحاضر إلى مستقبله. “لا تسل ما الذي سيشعر به غيرك فتدفع أنت ضريبة مشاعرهم، بل إسأل نفسك ما تريد ولا تدعهم يدفعون ضريبة تلميق مشاعرك”. تخرج الفلسفة منّي، فيسكن جسدي فتىً يعتبر الحاضر ملكه، وحقاً مكتسباً واجبه الدفاع عنه. وقسمٌ يقطنه فتىً يعتبر الحاضر ملك نفسه لا ملك أولئك الذين يغتصبونه ليحوّلوه إلى زمنٍ مقاسٍ بساعاتهم.

يراقبني الماضي الخاص بي على بعد كنبة وبوصتين (والبوصة في مقاييسنا هي مترٌ في مقاييس البشر). يراقبني الماضي ألهو مع حاضرٍ ولا يدركُ أنّه سيصبح مثله ماضٍ آخر. يراقب الماضي ذلك الفتى الشقي الذي كان يخرج بين الفينة والفينة ليسرق ابتسامة ويزرع وردة فيه. وأنا أجلس بين ثلاثة أزماتٍ/أزمنة، أزمة الماضي الأوّل الذي لن يعود حاضراً، وبين أزمة حاضرٍ صادقٍ يتوق لماضيه، وبين أزمة مستقبلٍ قد يخلو من أيّ ماضٍ.

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s