في زمن الثورات: الغناء بين صعاليكه وسلاطينه


أسعد ذبيـان

  كانت الجواري الحسان ذوات الصوت المليح من أركان القصور في فترة طويلة من التاريخ، عندما كان الفن حكراً على طبقة اقتصاديّة معيّنة.. وألحق فيها فيما بعد حاشية “الفن” من العازفين على الآلات الموسيقيّة المتعددة، ومن ثمّ الرقص، والشعر، والنحت، والرسم وغيرها.. وقد كانت البلاطات الملكيّة سواءً في أوروبا أم الشرق ملاذاً لأصحاب المواهب، وذلك بحسب اهتمام الأمير أو السطان، حتّى أنّ العديد من هؤلاء اقترن اسمهم باسم واحد من الفنانين أمثال: أبو الطيب المتنبي وسيف الدولة الحمداني.

ولكن عندما تحوّل الفن إلى العام، أصبح الغناء (وسوف أركز على هذا اللون من الفنون كنموذج) ملكاً للجماهير بعد انتشار وسائل توزيعه على العامّة.. (الراديو ومن ثمّ الإسطوانات والآن نقرة واحدة على الإنترنت).. هنا تعقدت علاقة الفنان بصاحب البلاط، فلم يعد الأول مملوكاً من قبل الثاني، وفي الوقت نفسه لم يستطع فصل نفسه عنه. فكما أنّ للحكام شعبيتهم، كذلك للمطربين.. والعلاقة بين الإثنين إمّا علاقة الند للند، وإمّا علاقة التبعيّة.. يختار الفنان في هذه الحالة واحدة من هذه الأمور: إمّا الإبتعاد عن السياسة وأهلها والغناء بعيداً عن مدح الرجال، وإمّا سياسة التملق لصاحب السلطة بغية نيل الإستحسان، يقابلها هجاء ومهاجمة تلك الشخصيّة لاعتباراتٍ متعددة، وآخرها الغناء لهذا الرجل أو تلك المرأة في السلطة نتيجة عوامل غير ماديّة منها: العلاقة الشخصيّة، رمزيّة الزعيم القائد، الشعور الوطني، وغيرها…

في التاريخ الحديث، كل زعيمٍ وله جوقته.. يتذكر اللبنانيين الأغاني السياسيّة الحزبيّة الضيقة التي مجدت أمراء الحروب والمحرضة طائفياً، ويتذكر هؤلاء كذلك “شعراء الزجل” الذين لم يقصروا في إذكاء الفتن (وحجتهم في ذلك شحذ الهمم في معركة مصيريّة).. هذا على المستوى “الميكرو”، أمّا على مستوى “الماكرو” فقد كانت أسماء كبرى في الفن تنال نياشين. نالت أم كلثوم نيشان “الكمال” من الملك فؤاد، ما دفع بعض الضباط الأحرار لمنعها من الغناء في العام 1952 باعتبارها “مطربة العهد البائد” فهي قد غنت أكثر من ثماني أغنيات مسجلة للملك وعائلته منها: “اجمعي يا مصر” من كلمات رامي والحان السنباطي، و”ارفعي يا مصر أعلام السرور” وغنتها في عيد زواج الملك في 20 يناير 1938 ثم في ميلاد الأميرة فريال غنت “يا أغاني السماء”، وبمناسبة زفاف الأميرة فوزية غنت “مبروك على سموك”.. وغيرها..

وحده الرئيس محمد نجيب لم ينل أي أغنية (كما أنّه لم ينل أي حظوة تاريخيّة لأنّه كان أصدقهم).. ومن ثمّ جاء عهد عبدالناصر ليفتح باكورة الأعمال “الطربيّة” التي مجدت أعماله، وعلى سبيل التعداد لا الحصر، تضمّنت القائمة: “أم كلثوم وعبدالوهاب وهدى سلطان وعبد الحليم وشادية وفايزة وصباح وفريد الأطرش”. أشهر هذه الأغنيات كانت تلك التي غنتها أم كلثوم لعبد الناصر في العام 1976 بعد النكسة وقراره التنحي عن السلطة.. “قم واسمعها من أعماقي فأنا الشعب – ابق فأنت السد الواقي لمنى الشعب – ابق فأنت الأمل الباقي لغدٍ صعب – أنت الخير وأنت النور – أنت الصبر على المقدور – أنت الناصر والمنصور – ابق فأنت حبيب الشعب”.

في حين أنّ عبد الحليم حافظ ربطته علاقة أبويّة بعبد الناصر،  فكان يطلبه على الهاتف شخصياً وفي إحدى مناسبات عيد الفطر بادر حليم ليهنئ جمال: “كل سنة وأنت طيب يا بابا”.. ولهذا يفهم لماذا عمل أنور السادات على محو هذا الإرث ومنع الأغاني المادحة لعبدالناصر بعد وفاته، ذلك أنّ الأغنية كانت من أنجع وسائل الدعايا وربطها برئيس حارب اسرائيل لم يناسب رئيس تلاه وافق على السلام معها. ويبدو أنّ الرئيس المصري الأخير حسني مبارك قد نال نصيبه هو الآخر من الأغاني (وإن كان أصحابها ليسوا من المقام نفسه لعواميد الغناء الذين مدحوا عبدالناصر).. من هؤلاء عمرو دياب وشيرين وعمار الشريعى ولطيفة ومحمد ثروت وشعبان عبدالرحيم. ويظهر التزلف جلياً في المديح لرئيسٍ (في غياب المناسبات الوطنيّة) واقتصارها على مرضه في ظل استبداده في الحكم لعدة سنوات: أغنية شيرين – ريسنا ! وقد خرجت أصوات عديدة بعد الثورة في مصر تنادي بمقاطعة هؤلاء الفنانين (ويتربع على رأس القائمة الممثل عادل إمام الطفل المدلل للنظام المصري)، في حين اعتبر البعض بأنّه لا يجدر التوقف عمّا قام به الفنانين لأنّهم عبروا عن صوت الناس، وبالتالي هل يمكن محاسبة أفراد الشعب المصري مثلاً لأنهم جاهروا يوماً بحبهم لمبارك؟!

يقابل هؤلاء الفنانين “الملتزمين” للخظ السياسي السائد، أولئك المتمردين عليه.. أو أولئك الذين أودت بهم أغنياتهم إلى حتفهم.. على سبيل المثل لا الحصر: الفنانة ذكرى التي غنّت: من يجرا يقول.. هذا مش معقول. بنزور ونبكي الكعبة وقبر الرسول.. قالولي الدمعة بتهدد أمن الأسطول”.. في اعتراض على التواجد الأميركي العسكري في شبه الجزيرة العربية وانتقاداً لآل سعود.

وفي حين تشهد العديد من الدول العربيّة اضطرابات ومظاهرات من أجل الحريّة، يقف الفان العربي محتاراً بين الإنحياز للأنظمة أم للشعوب.. شاب جيلاني غنّى للثورة الليبيّة وقال الفنان الذي أحيى السهرة الرابعة من مهرجان جميلة في مجينة سطيف منذ أسبوع: “إن معمر القذافي مجنون ولابد له أن يرحل، والثوار الأحرار في ليبيا سيحررونها رغم أنفه، الذي أستغبى شعبه لسنوات طويلة”. في حين أنّ الشاب رامي عصام سمّي بمطرب الثورة المصريّة، وهو الذي تعرّض للضرب من قبل سلطات نظام مبارك. أمّا في سوريا فقد انطلقت أغنية “يلا ارحل يا بشار” المؤيدة للشارع السوري قبل أن يذبح مؤلفها ومؤديها ابراهيم قاشوش. كما أجبرت الشاعرة البحرينيّة آيات القرمزي على الإعتذار عن قصيدتها التي هجت بها رئيس وزراء البحرين. وثمّ ألقت قصيدة ثانية ضمنتها حواراً بين إبليس و الملك حمد بن عيسى، يقول فيه إبليس لحمد: “هزوني شعبك انت ما تسمع حكيهم؟”.

في المقلب الآخر فنانين أصحاب قامات أعلنوا انحيازهم للمقلب الآخر، فأنشدوا للأنظمة بدل الشعوب، ولصاحب العرش عوضاً عن الحريّة، وللشخص بدل المجموعة.. المفارقة الثانية أنّ بعض هؤلاء يمدحون زعيماً ليس حتّى لبلدهم! ويأتي النظام السوري على رأس هذه الأنظمة التي تمتعت بدعم الفنانين أصحاب الخط “الوطني”. تبدأ اللائحة بجورج وسوف ورويدا عطيّة (سوريي الجنسية)، وتمر بكلاً من ملحم زين، ومعين شريف، وعاصي الحلاني، وأيمن زبيب (لبنانيين)!

“تزعل دني، ترضى دني.. بدنا نضل نحبك هيك. يا أسد ما بتنحني، حامل سوريا بعينيك.. يا ابن الغالي يا كبير. منحبك بشار كتير. مهما يصير لبدو يصير، منضل سيوف حواليك!”.. يجاهر بها أيمن زبيب، وبالتالي لا مشكلة عنده من “زعل” عائلات ألفي شهيد سوري. في حين أنّ معين شريف كان يحيي حفلاً غنائياً في لوس أنجلوس يغني فيه الجضور “الله، سوريا، بشار وبس” في نفس الوقت الذي كان يقتل فيه متظاهرين في مدن سورية.

هذه حال مطربيننا العرب: سلاطينهم وصعاليكهم. لكم أنتم أن تحكموا من الصعلوك ومن السلطان (أرجو ألا يكون الحكم من خلال الموقف السياسي لكلٍ منّا بل من خلال الموقف الإنساني). فكل من غنّى لطاغية (بحريني أو سعودي أو سوري أو ليبي أو مصري) صعلوك، وكل من حارب الطغاة سلطان..  أمّا في بريطانيا، ليلي آلن لم يعجبها موقف الحكومة البريطانية في العام 2009، فغنت لهم. أغنيتها هديّة منّى للحكام العرب: تباً لكم. 

One thought on “في زمن الثورات: الغناء بين صعاليكه وسلاطينه

  1. نسيت نجوى كرم
    بصراحة يعني ، التهافت من بعض المطربين اللبنانيين للغناء لزعيم دولة تانية ، هو غريب يعني
    يعني بالله نجوى كرم ما بتستحي من الشعب السوري :
    بدنا نحافظ بدنا نحاافظ عالشااام اللي عمرها حااافظ
    بدنا الإستمرار ونبااايع بشاااار
    بدناا نحاافظ بدنا نجاااهد بالرووح البعثية
    ونسلم بشااار القااائد رايتنا السورية
    ويحملنا من نصر لنصر
    وينقلنا من عصر لعصر
    وعلى حلم الحاافظ بيحااافظ

    لأ وبالروح البعثية قال ؟ انو هلق بسوريا ما عاد يمكن يلتقى حدا يمدح بالبعث !

    وبعدين عنا العظيم فارس كرم ! ” اللي بدو يدق بسوريا غلطان كتير ”🙂

    آخ بس

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s