اللانتماء: رمية لاعب النرد


عندما ولدتني أمّي، لم أختر اسمي. وعندما بعثوني إلى المدرسة، لم يخيّرني أحد أي لغة لأتعلمها، فرض المجتمع عليّ العربيّة، وتولّت المعلمات الإنكليزيّة. حين انطلق والدي ليضع اسمي في القيد (لاحظوا الإسم)، لم يسألني عن اسم العائلة، ولا عن الطائفة. وعندما طُلب منّي تأدية النشيد الوطني، لم أكن قبلها أعرف لأيّ وطنٍ أتبع، أصلاً لم يكن لي خيارُ الإنتماء أو التعلّق. الأنكى، أنني لم أختر لا لون بشرتي، ولا طولي، ولا لون عيناي، ولا حتّى جنسي.. هنا أعذر الجينات التي ساهمت في التفاصيل الأخيرة، أمّا ما سبق فهو أمرٌ لا ناقة لي فيه ولا جمل.

الحدود الأولى: الإسم والعائلة

انتمى وسام، 22 عاماً، إلى عائلته مصادفة (على حد تعبير محمود درويش في قصيدته الأخيرة لاعب النرد)، ينظر لعلاقته بأهله على أنّها علاقة “مقرّبة جداً ومبنيّة على العاطفة”. اعتاد على التصرّف بطبيعيّة معهم لأنّه قضى الوقت الأكثر من حياته قربهم، لا لأنّهم أهله البيولوجيين. لو حضر أحدهم مسرحيّة: “عائد إلى حيفا” لفهم بأنّ الولد الفلسطيني أصبح عبرياً لا لأنّ جيناته تغيّرت بل لأنّه ابن الأهل الذين ربّوه.

تعرّف أميرة، 25 عاماً، علاقتها بالعائلة على أنّها معقدة بعض الشيء، “لقد تنقّلت كثيراً بين أوروبا والشرق الأوسط، وقد أثّر هذا الأمر على نمو تفكيري، وعكس صعوبة في تحديد هويّتي”. في حين أنّ محمد، 30 عاماً، يصف العلاقة مع عائلته بالـ “صحيّة” ، وقد ربوه على القيم وحبّ الوطن، ولكنّه كره في مسار حياته كل ما له علاقة بالتنميط، هو الذي ضاق المرّ منه. “لماذا أسموني محمد؟ ليس لديّ مشكلة مع الإسم، ولكن إنّ له اعتبارات دينيّة لا أود دائماً مشاركتها كلما تعرّفت على أحدهم، ينظر إليّ الناس ويحكمون عليّ من خلال اسمي” هكذا يذيّل محمد اعترافه بالصراع الأوّل مع الحد الأوّل: الإسم.

الحد الثاني – الوطن: قلوب الأحباء بيتي

“أنا لا أحارب من أجل قطعة من الأرض، بل أدافع عن حقوقي، عن وجودي، وعن احترامي وأمني كإنسان”، بهذه الكلمات يصف وسام علاقته بحد الوطن. ومن ثمّ يضيف: “أنا لا أحارب كلبناني العدو لأنّه إسرائيلي، أنا أحارب الإحتلال لأنّه عمل ينتهك حقوق البشريّة”. في حين أنّ أميرة ضاعت في معرفة انتمائها، تسأل نفسها: “فتاة عربيّة مسلمة أم غربيّة علمانيّة؟” قبل ان تعلن أنّها لا تنتمي لوطن (على غرار قصيدة درويشيّة أخرى: قلوب الأحباء بيتي). تضيف: “تطور هذه الفكرة جاء لأنني لم أكن راضية، وعدم الركون للشعور بالرضى أنتج بأنني أشعر بالإنتماء إلى كل مكان أو لا مكان”.

غيّرت ساعات المشي الطويلة وكتب جان جاك روسو نمط تفكير رولا، المعلمة التي تبلغ من العمر 29 عاماً، لتدفعها للسؤال: “كان لدى الإنسان الأرض بحالها له، فلماذا سعى لتقسيمها لدول؟” وللتندر: “بعد ناقص الطير نعمله فيزا؟”. في حين أنّ الوطن يأخذ مع محمد بعداً إضافياً: “أنا لا أقدر وطني. لماذا؟ ما الذي قدّمه لي بالمقابل؟ أنا مجبر على العيش فيه وحمل جنسيته لأنّه شاءت (رمية النرد) أن أكون لبنانياً”. يكمل محمد: “علّمتني الحياة بأنّ لكل جنسيّة علتها، بالنسبة لي علة اللبنانيين هي الشعور بالتفوّق على الآخرين”.

يضيف وسام معلقاً على الحدود الجغرافيّة للدول: “لقد أقمنا حواجزاً بيننا وبين الطبيعة، ومن ثمّ أدخلنا عامل الحدود بيننا لنزيد هذا الإنقسام. أنا لا أفهم كيف يمكن لجبل بين بلدين أن يكون حدوداً؟ منحدره الأول له جنسيّةّ، والآخر جنسيّة ثانية”. أمّا تأشيرات الدخول “الفيزا”، فهي الطامة الأكبر، تعلّق أميرة: “لو كانت الفيزا مطبقة في نظامٍ عادل ومتساوٍ في احترامه كل الأفراد، لكان الأمر منطقيّ”، ولكن بأيّ حقٍ يكون لأميركيّ أو كنديّ أو أوروبيّ لمجرد أنّه ولد في تلك البلاد حق الانتقال حول العالم، في حين يعاني أصحاب بقيّة الجنسيات الويل قبل منحهم التأشيرات. (محمود درويش مرّة أخرى: اسقطوا عنّي جواز السفر).

الحد الثالث – الطائفة/الدين

“لم أعرف يوماً عن نفسي بأنني ابن هذه الطائفة. لا أرى نفسي أبداً في هذا الموقع أبداً، بالنسبة لي الإنتماء إلى الطائفة هو عملٌ غير إنسانيّ” ويكمل وسام سرد وجهة نظره: “بعيد الإنتماء الطائفيّ، لديك خيارين، إمّا الإنفتاح على الآخرين وتقبلهم (على الرغم من معرفتك أنّك أفضل منهم)، أو الإيمان بمعتقدك على أنّه الحق المطلق والصواب والجواب الشافي لكل سؤال ونبذ الآخرين”. يزيد محمد: “لا تعنيني من القضايا أيّ من تلك التي تجري حول العالم، إلا إذما كانت تدور حول أحداث كرة القدم”. إتّهم العديد أميرة بأنّها شيوعيّة أو علمانيّة بسبب أفكارها التي عدّت هرطوقيّة، تعترف بأنّها سمعت أيضاً اتهامات بأنّها متدينة كذلك، تعلّق: “لطالما يريد الناس أن يضعوا توصيفاتٍ معيّنة، واسقاط تنميطات على ما لا يستطيعون فهمه”.

تشرح رولا بأننا كبشر أصبحنا اليوم أشبه بالماكينات الإجتماعيّة، نأخذ كل شيء عن أهلنا وبيئتنا ونمشي به من دون مساءلة، والدين من ضمن هذا الإرث. “علينا دائماً أن نفعل ما يرضي من حولنا، الأهل والمجتمع، الأسوأ أنّهم يسمونها نصيحة، على الرغم من أنّها تدمير للفرديّة”، تسرد رولا.

اللانتماء

تفصّل رولا نظريتها عن عبوديّة انسان اليوم للمجتمع: “على الفرد أن يتطور في المجتمع كما نريد له، عليه الدخول للجامعة في سنّ معيّنة، والتخرج في أخرى. الحصول على الشهادة الجامعيّة ومن ثمّ تليها شهادة الماجيستير. ثمّ يجدر به الزواج في سنٍ محددة، والشريك يخضع لاعتبارات الطائفة والمستوى الإجتماعي والإقتصادي”. تكمل سردها لتفاصيل الشروط المجتمعيّة من سيارة وبيت ومعاش وتأمين صحي ليتمّ عقد القران. تؤمن الفتاة أنّ المادة دخلت في كل شيء ومن ضمنها الحب، تعلن أننا كبشر أصبحنا عباداً للمال (العمل طوال الشهر مقابل بدل)، والوقت (الإستيقاظ للذهاب للعمل أو الدراسة)، وعباد الحدود (الدول)، وعباد الإيديولوجيّات (الدين)، ولم نفقه يوماً الإله الحقيقي في قدراتنا كبشر على الإكتشاف والإبداع. تختم رولا: “أنا أنتمي للهواء”.

يؤمن وسام بالإنتماء إلى نفسه، يضيف: “إلى البشريّ داخلي، أنا أعمل وأصارع وأحيا للوصول لهذا الكائن داخلي”. يتضايق وسام من إعطاء القضايا المحقّة أوصافاً تقلل من قيمتها، فعلى سبيل المثال هو يؤمن بالقضيّة الفلسطينيّة “لأنّ حق الشعوب في استعادة بيوتها وأراضيها، لا لأنّها قضية إسلاميّة (أو عربيّة، أو لأنّها على حدود لبنان)، بل فقط لأنّها محقّة”. في حين تعلن أميرة: “لم أعد أؤمن بأيّ من القضايا، كنت فيما سبق ناشطة بيئية، أمّا الآن فأنا لا أؤمن بالتغيير، بالنهاية حياة الإنسان معلّقة بخفقة قلب واحدة”. يكمل محمد تفكيك الخيوط العقليّة: “ننسى دائماً بأننا أبناء مجتمعات خلقها البشر، وأنّ وجودها هو بتأثير بضع أفراد على محيطهم لأنّه كان لهم القوّة في ذلك، وبالتالي خلقوا لنا مقاييس للحياة”.

يختم وسام الكلام: “بالنسبة لي، أنا أسعى لتحقيق المساواة لا أكثر، لأّنّ الأنظمة القائمة تسعى لتدمير هذا الحق وذلك لكي يستمرّوا في الحكم على حساب المستعبدين”.

علّموني منذ نعومة الأظافر أن أقدّس اسمي، وأحترم عائلتي، وأفتخر بضيعتي، وعشق طائفتي، والإنتماء لوطني. علّموني معنى النخوة، والشرف، والكرامة، والوطنيّة، وكل المصطلحات الرنانة. حشوا في رأسي أنّ الأرض ملكاً لي، لا لشيء بل لأنّ أحداً ما في شجرة العائلة كان لديه قبضة يدٍ محكمة انتزع من خلالها صكّ ملكيّة. أحدهم اقترح أنّ الشجرة على حدود وطني في الشرق تختلف عن نظيرتها التي تبعد عنها مرمى حجر، فهذه لها جنسيّة وتلك لها أخرى. زايد أحدهم بتقبيل تراب الوطن، افترض أنّ ما لدينا من تربةٍ أخصب من تراب العالم أجمع. آخرين قرروا بأنّ أرضنا مهد الحضارة، منهم من أسماها “أرض الفينيق”، بعضهم قال بأننا صدرنا الحرف، وباقين رفعوا شعار: “قطعة سماء”. ولكنني حتّى اليوم لم أفهم معظم هذه المصطلحات. لا أعاني من “الديسلاكسيا”، أو ضعف في القواعد والنحو، لكنني أعاني من سوء هضم المصطلحات الجاهزة، والمربعات المغلقة. تولّى البعض طرق الوعظ والإرشاد، أنت من جماعة المتنورين فاكره العميان، أنت من حزب العمّال فاحتقر الرأسماليين، أنت أبيض فذمّ السود، أنت قصير فاحتقر من هم أطول منك، أنت عربي فلا تؤمن جانب الأجنبيّ، أنت ملحد فاستغبي المؤمنين.. أنتَ، أنتَ، أنتَ.. لكنّ أحداً لم يعلّمني أن أكون انسان فاحترم الإنسانيّة.

5 thoughts on “اللانتماء: رمية لاعب النرد

  1. انها الهوية القضية الأكبر … أرفع قبعتي ..نص تحليلي متشاعر رائع .. ظننتني عرفتك .. فقط من نمنماتك على الورق ..

  2. احييك اخي اسعد.
    صدقني لقد فوجئت بمدونتك ، صدفة دخلتها لست ادر من أي موقع انطلقت لأصلها ،، رائعة فعلا.
    بالمناسبة لأول مرة اقرأ لمدون لبناني،، اظنك لبناني…. موهيك؟
    اعتبرني من متابعي مدونتك .

    تحياتي ومودتي.

    • تحياتي سعيد وعذرا على التأخير بالرد
      لبناني على الهوية ولكن على راية محمود درويش
      قلوب الأحباء بيتي

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s