في سيكولوجيا الزعيم ولفت الإنتباه: وليد جنبلاط وسليمان فرنجية


سليمان فرنجية يصافح قاتل أبيه المفترض - ووليد جنبلاط مع ابن قاتل والده المفترض

عندما فتح وليد جنبلاط عينيه، كان محاطاً بحجارة ضخمة تشكل دعائم  مجازية لبيت سياسي عريق في الحياة السياسية اللبنانية، ودعائم حقيقية لقصر المختارة. كان الابن الأوحد لزعيم سياسي خرج من القوقعة الطائفية لرحاب العالمية فكان شريك نهرو وتيتو وعبد الناصر في دول عدم الإنحياز، والرجل المقلّد لوسام لينين للسلام. كان ابناً لبكاوية سياسية وزعامة إقطاعية موروثة أباً عن جد، وفي نفس الوقت ابناً لبكاوية فكرية وزعامة روحية لم يتوارثها الأب وللأسف لم يستطع توريتها.. ولد الرجل في بيت رفض والده مقاليد السلطة فيه (أو هكذا يقال) في حين عانقها الابن من كل جوانبها (ورئاسة الحزب التقدمي الإشتراكي لثلاثة عقود من دلالاتها).. فعل الابن ما باستطاعته في الظروف المحيطة به لأن يحمل ثقل الإرث السياسي ويمشي به، فأخطأ حيناً وأصاب أحياناً أخرى (والمشاركة في تشييع جثمان الخصم اللدود داني شمعون من بينها)..

كان عمر سلبمان فرنجية 13 سنة عندما وقعت مجزرة إهدن وقتل فيها والده ووالدته وشقيقته. وعاد بعدها بتسع سنوات ليتسلم ميليشيا حزب المردة ، فيكمل البكاوية السياسية والزعامة الإقطاعية موروثة أباً عن جد. عيّن نائباً بعد اتفاق الطائف ليكون أصغر النواب، أعاد تقوية تحالفه مع آل الأسد في سوريا في حين دعم (كعلامة فارقة) أن يتم انتخاب رينيه معوض رئيساً لجمهورية لبنان.

يتشابه الرجلين المذكورين آنفاً في العديد من النقاط: الإقطاع السياسي ولقب “البكاوية”، الدخول المفاجئ إلى عالم السياسة بعد اغتيال الوالد، الزعامة على أقليات تقطن مناطق جبليّة وتدين بالولاء التقليدي للـ “بك”، وقيادة ميليشيات سلّمت سلاحها للدولة بعد اتفاق الطائف، وقيادة أحزاب صوريّة، واستلام مناصب وزارية ونيابية، الإهتمام بالبيئة والأبنية التراثية، وحب التصوير والنساء (والدليل في جمال نسائهم) والمواقف السياسية والإجتماعيّة المشهود لهم بها . فمن المعروف عن الرجلين التزامهم الدقيق في المناسبات الإجتماعيّة وفي خدمة أبناء منطقتهم وفي نوع من التواضع الذي يتيح للكثير من الأنصار مقابلتهم بسهولة أقل من بقية رجالت السياسة اللبنانية.

جنبلاط وفرنجية مع الرئيس ميقاتي

 أمّا ما يختلف به الرجلان فهما السن والنضج (حاولت البحث عن كلمة مرطبة أكثر ولم أجد)، فوليد جنبلاط من مواليد العام 1949 في حين أنّ فرنجية يصغره بستة عشر عام. وليد جنبلاط وسليمان فرنجية كانوا من الأطفال المدللين للنظام السوري إبّان تواجد قواته في لبنان (نوع من فنون السياسة إتقنه العثمانيين وأعاد آل الأسد استخدامه في استخدام العصا والجزرة مع الإقطاعيين اللبنانيين ليضمنوا ولاءهم وولاء أبناء مناطقهم وطوائفهم). ولكنّ فرنجيّة صادق ووعد ووفى والتزم في موقفه من سوريا انطلاقاً من مقولة جده الشهيرة “إذا رعى غنمي، رعى في جرود الشام” في حين أنّ جنبلاط صالح على مضض، وعضّ على الجرح (كما يصرح) لمصلحة طائفته، ومن ثمّ نقض الصلح، فأعلن المسامحة لا النسيان، قبل أن يعتبر الأمر زلّة لسان وغياب عقلي، ثمّ ما لبث أن عاد إلى سيمفونيّة الحريّة والتخلّص من السجن البعثي الكبير.

لا أذكر أنّ سليمان فرنجيّة صادق أو حالف النظام المصري، ولكن أعرف أنّ جنبلاط زار حسني مبارك عديد المرّات.. عندما سقط الأخير، لم يصدر عن سليمان فرنجيّة أي مواقف ارتجاليّة، في حين أنّ وليد جنبلاط أطل العنان “لرشاشه” في قصر المختارة محتفياً بسقوط طاغية (صديق)، ووليد جنبلاط نفسه يريد نزع السلاح غير المضبوط. يعرف الكل عن فرنجيّة موقفه من النظام السوري فدعم النظام منذ التسعينيات إلى اليوم، حتّى بعد الأحداث الأخيرة (الثورة السورية) وقف فرنجية مع النظام السوري في كل ما يعني الأمر من تصديق لرواية المؤامرة الكونية والخوف من المد الإسلامي السياسي، ولكنّه لم يتمادى يوماً لدعوة مسيحيي الشام للقتال مع بشار الأسد، في حين أنّ جنبلاط بدأ سيمفونيّة لفت الانتباه وتصعيد المواقف من دعوة الدروز في سوريا للإمتناع عن المشاركة في الجيش السوري، ولينهيها بدراما وضع علم الثورة السورية على قبر والده (للتذكير هو العلم الخامس الذي يوضع على قبر والده بعد اللبناني والفلسطيني والفرنسي والرابع عشر من آذار .. كأنّ قبر كمال جنبلاط شمّاعة لمواقف جنبلاط السياسيّة).

خسر سليمان فرنجية الإنتخابات في العام 2005 (من دون أن ندخل في تفاصيل الخسارة بسبب الشعبيّة أو قانون الإنتخاب المعتمد) في حين فاز بها في الـ2009 ولكنّه عندما علت أصوات قانون انتخاب يعتمد النسبيّة لم يمانع الرجل الذي يمتلك الأكثرية في قضائه والأقليّة في محافظته، في حين أنّ جنبلاط الذي كان يدعو للقانون النسبي ويجاهد في سبيله، كان أول المعترضين على طريقة “عليّ وعلى أعدائي.. ومن بعد حماري لا ينبت حشيش” على اقتراح وزير الداخلية في اعتماد النسبيّة في الإنتخابات، وهو الرجل الذي يمتلك الأكثرية في قضائه والأقليّة في محافظته كذلك.

الفارق بين الرجلين ليس الأرصدة المصرفيّة، ولا الصلاحية الشبه منتهية لإقطاع سياسي، ولا الزعامة، ولا المواقف السياسيّة التي قد نتفق أو نختلف عليها، الفارق بينهما هو تمسّك الأوّل بالتقليد السياسي وعقليّة النعامة في طمر الرأس في الحفرة عند الخطر التي يتّبعها فرنجيّة، والرعونة السياسيّة والصبيانيّة التي يعتمدها جنبلاط في محاولات حثيثة للفت الإنتباه. المشكلة في وليد جنبلاط أنّه ابن كمال جنبلاط، عقدته من تاريخ أبيه (وأجداده) الذي استطاع أن يكون عالمياً، والذي كان وزيراً للدفاع (شيئاً لم تحصل عليه الأقلية الدرزية من قبل) وزعيماً لكثير من أبناء الطوائف اللبنانية (حاول جنبلاط تقمص هذا الدور في 14 آذار ولم يفلح). عقدة نقص جنبلاط من تاريخ عائلته هي ما يدفعه يوماً بعد يوم لاتخاذ المواقف المتطرفة من قمة اليمين إلى قمة اليسار، من خطاب ” يا أفعى، ويا قرد، ويا ..” إلى خطاب “لحظة التخلي”. الفارق بين الرجلين أنّ فرنجيّة كسب بعد عقدين من المواقف السياسية الثابتة احترام شخص مثلي ليس من “قبيلته” الطائفيّة، ولا من حزبه السياسي، ولا من تياره “الممانع” ولا ممن يمت له بأي صلة، في حين أنّ جنبلاط الذي يقع منزلي على بعد مرمى حجر من قصره، والذي أدين له بالكثير من المودة والتقدير على الصعيد الشخصي، قد خسر مني نظرة الإحترام للسياسي الذي فيه، وكل ذلك في سبيل ما يظنه هو الحفاظ على مصلحة طائقة أعرف أنا مثلما يعرف هو أنّ الهدف الوحيد من الحفاظ عليها هو الحفاظ على سلطته.

على أمل أن نكتب في الأعوام القادمة عن سيكولوجيا الزعماء السياسيين الذين اقترع لهم الناس على أساس برنامجهم الإنتخابي، لا أن نحلل سيكولوجيا تيمور جنبلاط وطوني فرنجية.

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s