هذه حرب لا ناقة لي فيها ولا جمل


عرض الشرائح هذا يتطلب تفعيل جافاسكربت.

عندما اجتاح الألمان والروس بولندا قبيل الحرب العالمية الثانية، خرج البولنديين ليقولوا: “كنا بين غزاة اثنين، انجزنا للروس، لا لشيء بل لأنّ لغتنا ولغتهم لها الجذور نفسها: السلافية”. عندما تندلع الحرب في لبنان والمنطقة بين “الممانعيين” و”السلفيين وأهل السنة” لن أنحاز لأحد، لأنّه بكل بساطة لا توجد أي لغة تجمعني بين الإثنين.

لا أحد يبرر أن يطلق الجيش النار على مدني.. كان بإمكان الجيش أن يطلق النار في الهواء أو يطلق النار على الإطارات، أو يبلغ دورية لتلحق بالسيارة.. في الوقت نفسه، لا يمكن تبرير أن يقوم نائب منتخب وعضو في البرلمان اللبناني أن يطالب الجيش بالإنسحاب من أرضه ومن بين شعبه.. هذا كلام يعد بمثابة خيانة عظمى.. ولكن من في لبنان لا يخون؟ من يطالب بدخول الجيش السوري في لبنان منذ أسبوع (رفعت عيد؟) أو من يطالب باعتبار خروج الجيش السوري عيد استقلال على رغم أنّ من طلب دخول هذا الجيش كان أبوه (سامي الجميّل؟) من استقبل الإسرائيلي على خطوط التماس في بيروت (سمير جعجع) أو من سلمه مفتاح بيروت (ميشال عون) أو من استقبله في قصره في المختارة (وليد جنبلاط؟) ربما من قال أنّه جزء من مشروع ولاية الفقيه (حسن نصر الله) أو حزب عقائدي لا يؤمن بالحدود اللبنانية وبالوطن اللبناني (الحزب السوري القومي الإجتماعي) أو من يعتبر الفدرالية ذات الصلاحيات الواسعة هي الوصفة السحرية للبنان (حزب الكتائب) أو من يعتبر طائفته  أهم من الوطن (تسعون بالمئة من الشعب اللبناني) أو من كفر في هذا الوطن (أنا). من منّا يؤمن بلبنان؟ لا احد!

عشرون عاما ً لم تعلمكم شيئاً؟ آلاف القتلى على مذبح الوطن، على مذبح حواجز الخطف والقتل على الهويّة.. ابناؤكم المهجرين والمشتتين في كل بقاع العالم ودموع الشوق والحزن ودموع الفرح في مطار بيروت (والذي سرق اسمه الساسة  كذلك) وأنتم تودعون وتستقبلون، ألم تعلمكم شيئاً؟ شحاذة الوظائف، وشحاذة المعاملات، وشحاذة العلم والطبابة ورخص السكن و .. ألم تعلمكم شيئاً؟ كم قصة عن “كامل” الذي عليه أن يتعلّم عوضاً عن كل أبنائكم عليكم  أن تسمعوا لتعوا؟ كم ابن وحفيد لبيت سياسي عليكم أن تتعودوا حفظ أسمائهم بعد؟ ألم تكفيكم عشرات السنين بعد؟ ألم تتعلموا أنّ الإقطاعي في العهد العثمانيين هو نفسه من وقف مع الإنتداب الفرنسي، وهو نفسه من ركب موجة استقلالكم وهو نفسه من أدخل الفلسطيني والسوري والاسرائيلي والأميركي والإيراني إلى بلادكم؟ ألم تتعلّموا بعض أن من يطعمكم بعض الفتات هو نفسه من جوّعكم؟ أنّ من يؤمن لكم فتات الوظائف هو نفسه من أهدى أفضلها لأتباعه وأصحابه؟ ألم تتعلّموا أنّ من يرفعون صور الشهداء (في الضاحية والأشرفية والجبل والشويفات وعكار والأوزراعي والشياح…) من كل الطوائف والأحزاب، ومن يرفعون صور الشهداء في قنواتهم (المستقبل وحديثاً الجديد..) يتاجرون كلهم بالأموات (وبالأحياء)؟

ما يجري اليوم في طرابلس لا يخيفني، لأنّه من يوميّات هذا الوطن.. لمن نسي منكم مهزلة 7 أيار، ومن نسي حرب تموز، ومن نسي أحداث الجامعة العربية، ومن نسي الإغتيالات منذ العام  2005 والقتل وتفجيرات البحصاص وعين علق    أنا أذكركم.. أذكركم لا لأزيد إلى أحقادكم بل لعلكم تعون.. أذكركم لأنّكم أنتم كنتم الضحايا وأنتم كنتم الشهداء.. في حين بقي النائب نائب، والوزير وزير.. وإن بدلوا الكراسي كل بضعة أعوام. ما يجري اليوم في لبنان وسوريا هو وضعنا بين سندان الطغيان والحكم الاستبدادي والقمع وغياب الحريات بحجج الممانعة والمقاومة والشرف، وبين مطرقة السلفية والطائفية والتبعية والعمالة بحجج الحرية والديمقراطية.. نعم لحريّة الشعب السوري، ولكن لا لحرية تأتي منّة من أمثال سعد الحريري ودول الخليج، نعم لإسقاط بشار الأسد، ولكن لا أن يكون البديل جماعة مؤمنة بأنّها الوحيدة على حق وكل معترض أو لديه شكوك، يصبح خائن وعميل.. في الحرب التي لا يصبح فيها للقيم مكان، ولا للروح الإنسانية موقع، في حرب يصبح فيها كل الأطراف مجرمين، ومعهم حق مئة بالمئة، ولا يقبلون نقد أو اعتراض.. في حرب الأخوة والأشقة من أجل قطعة أرض، وقطعة في الجنة، ومقعد في الحكم.. في حرب من أجل ناقة أو جمل.. يمكنني القول بأنها حرب لا ناقة لي فيها ولا جمل.

حربي أعرفها: ضد الغباء، ضد الطائفية، ضد التبعية، ضد استعباد العقول والأجساد.. ضد الإيديولوجيات الجاهزة والمصطلحات المعدة سلفاً.. ولكنّ حربي تدور رحاها في ساحة معركة عنوانها: نفسي – عقبالكم.

3 thoughts on “هذه حرب لا ناقة لي فيها ولا جمل

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s