الشركات الرأسماليّة اللبنانيّة: استعارات يساريّة لتسويق قضاياها


 

كان من المفترض مساء أمس الإثنين أن يكون صوت عمال السبينيس المحرومين من حقوقهم عالياً في الشارع المقابل لمبنى “سبينيس” الأشرفيّة.. إلا أنّ حشد المؤسسة لأكثر من 200 موظف قاموا بمؤازرة من جهاز صوت كامل من شركة “أرزوني” وعشرات اليافطات والقمصان المطبوع عليها “موظفو سبينيز الأوفياء” سرق الأضواء عن الاعتصام المعارض. وعلى الرغم من كل المخالفات التي قامت بها إدارة مؤسسسة سبينيز، وطردها لثلاث موظفين تعسفياً، والضغط عبر شبكة واسعة من العلاقات العامة لمحاربة من ناصر قضيّة عمالها المطالبين بحقوقهم، وبالرغم من تشهير الإعلام بالشركة وفضح ممارسات وزير العمل الحالي، إلا أنّ قلّة من العمّال لبّت الاعتصام. وقد برر أحد المتضامنين السبب في خوف هؤلاء العمال على أرزاقهم بعد تهديد الشركة بطرد من يشارك في هذه الإعتصامات المعارضة لها. وعلى الرغم من تواجد ناشطي المجتمع المدني، والحقوقيين، ووزير عمل سابق (شربل نحاس) على الرصيف المناوئ لسياسات شركة “سبينيس” إلا أنّ الأخيرة استطاعت أن تسرق الضوء من خلال استعدادها وتنظيمها لمظاهرة مقابلة أظهرت فيها الحنكة اللبنانية ببراعة من أغاني فارس كرم ورقص الدبكة، وتوزيع القمصان على المناصرين، إلى توزيع المياه على الدرك والجيش المتواجد في موقع الحدث. إن دلّ الأمر على شيء، فهو أنّ الشركات اللبنانيّة انتقلت من مرحلة اللعب في المحاكم، وعبر صرف الشيكات إلى المواجهة في الشارع. من المضحك المبكي أيضاً أن تسمع البارحة الشباب المناصر للشركة يشتم النقابة (التي انتخبوها هم)، ويرفض تحصيل حقوقه لأنّهم خائفون على لقمة عيشهم.. مظاهرة البارحة كان لها سابقة واحدة عندما (وهنا نقتيس من ويكيبيديا) “في يوم 28 مارس 1954 خرجت في مصر أغرب مظاهرات في التاريخ تهتف بسقوط الديمقراطية والأحزاب والرجعية، ودارت المظاهرات حول البرلمان والقصر الجمهوري ومجلس الدولة وكررت هتافاتها ومنها «لا أحزاب ولا برلمان»، ووصلت الخطة ذروتها، عندما اشترت مجموعة عبد الناصر صاوي أحمد صاوي رئيس اتحاد عمال النقل ودفعوهم إلي عمل إضراب يشل الحياة وحركة المواصلات، وشاركهم فيها عدد كبير من النقابات العمالية وخرج المتظاهرون يهتفون«تسقط الديمقراطية.تسقط الحرية»، وقد اعترف الصاوي بأنه حصل علي مبلغ 4 آلف جنية مقابل تدبير هذه المظاهرات”..

الغريب في حادثة الأمس أنّها لم تكن الأولى من نوعها في لبنان بل هي المظاهرة الثانية في أقل من اسبوع التي تنظمها مؤسسات تجاريّة في لبنان. ففي السابع من شهر تشرين الثاني، دعت نقابة أصحاب المطاعم والملاهي إلى اعتصام في ساحة السوديكو في بيروت، عمد فيه عمال المطاعم إلى قطع الطريق وتشييع “السياحة” بنعش أبيض. هذا التحرّك جاء بناءً على رفض المؤسسات التجاريّة للقانون القاضي بمنع التدخين في الأماكن العامّة. فبحسب هذه المؤسسات أدى القانون فعلاً إلى انخفاض عدد الزبائن، وهددت بأنّ الآلاف من فرص العمل على المحك إذما استمرّ القانون. كان الإستعداد المسبق للمظاهرة عاملاً ملفتاً، فتليفونات كلاً من طوني الرامي (أمين عام النقابة) وشركائه من نجيب أبو حمزة، وأدهم البعيني لم تهدأ بالاتصال بكل الزملاء لحشد أكبر عدد من المناصرين. كذلك تمّ تحريك المؤسسات الإعلاميّة المملوكة من قبل هذه المؤسسات، فالإعلامي جو معلوف الذي لطالما التزم القضايا العامة آثر مصلحته مع صاحب إذاعته الجرس وصاحب المقهى الجديد الذي يديره جو، فحرّض على القانون. – على فكرة نحن مع تسوية عادلة طرحها طوني الرامي بوجود أقسام مخصصة للمدخنين، وأقسام لغير  المدخنين.. أو أن يكون هناك رخص للمحلات التي تريد السماح بالتدخين.. ولكن هذا ليس معرض حديثنا –

ونقتطع هنا من تغطية جريدة المستقبل لاعتصام السوديكو: (بدا المشهد المنظم، بعرض سياحي كبير يمثلون 120 ألف عامل في القطاع، حاصرته أغانٍ يعرفها كل يساريي لبنان وفقرائه “أنا مش كافر بس الجوع كافر”، “إنّي اخترتك يا وطني”).. إن دلّت هاتين الحادثتين على شيء، فهو على استحداث المؤسسات التجاريّة اللبنانيّة واستنساخها أدوات الضغط العماليّة للضغط من أجل حقوقها.. فالشارع لم يعد حكراً على صاحب الحق، بل على من يقدر على الحشد، والتنظيم والتسويق.. والأغنية الملتزمة لم تعد “زوادة” المواطن الملتزم بقضايا معيّنة، بل جزء من فلكلور الشعب اللبناني بأسره يرقص الدبكة على أتغامها كلما اجتمع ثلاثة وما فوق.. والمفارقة في الموضوع أنّ المؤسسات التجاريّة نجحت فيما لم ينجح به المجتمع المدني لجهة جمع كافة أطياف المجتمع اللبناني من طوائف وشرائح اقتصاديّة معاً – ولو بالإكراه بالنسبة للبعض –

هذه المقالة ليست لمدح المؤسسات التجاريّة بل لفتة نظر للمدافعين عن قضايا الرأي وناشطي المجتمع المدني في لبنان في أنّ عليكم التكيّف مع هذه الوقائع الجديدة وتطوير أساليبكم ووسائل الضغط الخاصة بكم.. وربما قد آن الآوان ألوقف “دحش” الشعارات مثل “الرأسمالية”، و”الإمبريالية”، و”الحريّة” التي لم تعد تجد آذانٍ صاغية.. أتمنى أن أكون مخطئ ولكن هذا ما آراه على الساحة.. بالتوفيق!

4 thoughts on “الشركات الرأسماليّة اللبنانيّة: استعارات يساريّة لتسويق قضاياها

  1. … وربما قد آن الآوان أنّ “دحش” الشعارات مثل “الرأسمالية”، و”الإمبريالية”، و”الحريّة” لم تعد تجد آذانٍ صاغية..

    جبتها بنص دين قلبها صديقي🙂 وحش

  2. تنبيه: Freedom’s Catch 22: Lebanon « The Price of Fortune

  3. تنبيه: رسالة إلى ناشط: هذا الصوت أعلى من صوت المعركة « خربشات بيروتية

  4. تنبيه: رسالة إلى ناشط (1): هذا الصوت أعلى من صوت المعركة | خربشات بيروتية

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s