صراحة الماضي تحوله ماضٍ


يناقشني الحاضر عمّا فعل قبل وجودي، يخبرني عن شغفه بولدٍ أنا لا أحمل اسمه، ولا أمتطي قامته. يخبرني الحاضر عن يومٍ لم أوجد فيه، لا لأنني لم أكن قد ولدت بعد، ولكن شاءت الأقدار بأنني لم أكن في المكان والزمان المناسبين. يخبرني نهار الجمعة عن نهار الإثنين (واليوم في زماننا هو شهرٌ من مقاييس البشر). يخبرني عن أشهرٍ ماضية لم يكن فيها لبصماتي عليه أثراً. يشرح لي: “ذلك الولد ما أجمل عينيه، ما أطيب ضحكته..” لم يقلها لي بالحرف الواحد، لم ينطق بها ولكنّ عقارب الثواني في ساعته الكبيرة بين الثغرين وشت بما يلمّح إليه. يخبرني اليوم عن ولدٍ لم أمتلك قدرته على الغمر والإحتضان، عن ولدٍ لا يعرف أنّي جئت بعده وأنّ زمانه سيعود بعدي. يخبرني اليوم عن سرٍ كتمه عنّي يوم تعرّفنا لكي لا يثير شكوكي، وسرٍ سأكتمه كي لا أغيض ولداً شاءت له الدروب أن يولد قبلي، وينطق قبلي، ويكتب قبلي، ويعشقه حاضري. يخبرني الحاضر وهو في كرسيّ الإعتراف أمامي عن ذاك الولد الشقيّ، عن الولد الذي تعمشق من بين الصبية الآخرين. ذاك الذي خرج بين الفينة والفينة ليسرق ابتسامة ويزرع وردة في وقت الزمن الحاضر (الذي كان يوماً ما مجهولاً). يخبرني الحاضر عمّا حصل منذ ساعتين (والساعة في زماننا هي يومٌ في مقاييس البشر). يسرد لي كيف التقى بمحض الصدفة بذاك الشقي، وبقليلٍ من العبثيّة وكثيرٍ من الكارما، صودف أنني كنت معه أحنّط صورة لهما دون أن أعرف الفتى. يخبرني الحاضر عمّا حدث منذ هنيهة، وكيف أنّ الولد الذي لا أملك طول قامته، ولا عسل لسانه، ضمّ حاضري إلى صدره. وفيما يسرد لي الحاضر أخبار ماضيه، يدخل الماضي الخاص بي علينا. ينزل ماضيي درجاتٍ دائريّة لينظر إلى حاضري بطرف عينه. ولأنّ العبث سمة الحياة، كان الماضي يجلس على مقربة من الحاضر الذي يواجهني.

استمر في القراءة

Advertisements

أبحث عنكِ IV


 

من مسرحية ليل الضرة - الجامعة اللبنانية الأميركية - الصورة والإخراج: فرح بيطار

 

أسعد ذبيـان

أعود للبحث عنكِ.. أبحث عنكِ في خروجي من العمل، والطقس ماطر.. فأبحث عن أضواء سيّارة تنتظرني بين قطرات المطر.. أبحث عنكِ في رسائل غابت عنّي.. أبحث عنكِ  في إدماني استخدام مواقع إلكترونيّة دون سواها علّني أجدكِ.. أبحث عنكِ في سائقٍ استقلّ عربته، وأنظر إلى المقود فلا أراكِ خلفه.. أبحث عنكِ في أصابع تمتدّ تحت ثيابي وتحاول محاكاة شعورها تحت طيّات ملابسكِ..

أبحث عنكِ في اعترافي بالشوقِ إليكِ على بعد خطوة من مقاعد دراستكِ.. أبحث عنكِ في لوحةٍ طلبتها منكِ لأعلقها على جدار غرفتي.. أبحث عنكِ في اقتناعي بأفكاركِ، في شقةٍ أحاول تحصيلها، في عملٍ مستقرّ أركن إليه.. أبحث عنكِ في تفكيري في أماكن لم ندشنها معاً، ولم تحتفِ بنا.. أبحث عنكِ في لائحة أعدّها لكلّ ما لم نتشارك به.. أبحث عنكِ في كبرياءٍ يمنعني من ملاقاتكِ في منتصف الطريق.. أبحث عنكِ في سيناريوهاتٍ متخيّلة يعيدها عقلي كلّ ليلة قبل النوم..

استمر في القراءة

كان يكتم غيظه


أسعد ذبيـان

نشرت في جريدة السفير

كان يكتم غيظه في الأيام الماضية. دائماً ما تعاود اللعب معه بتلك الطريقة التي يكرهها. تقرب الحبل وتدنيه من عنقه، ومن ثمّ تتركه حتى يقع، ولا تلتفت إلى الخلف. لم يشبع نهمه للكتابة، لأنه أخذ عهداً ألا يكمل مسلسل سرد آلامه أمامها، هي التي تقتات من أحزان الرجال حولها. كان العهد أن يكتب كل فصلين قصة ليخبرها عمّا يجري معه. لكنه في المرة الأخيرة، قرر الهرب من الورق، وفي المرّة التي سبقتها شاء ألا يدعها تقرأ دموعه. يجدر به حتّى الآن أن يكون قد كتب خمس رسائل، وهي العامان والنصف التي فصلته عن وهمها، حقق منها ثلاثا وها هي المخطوطة الرابعة، ولكنها مختلفة. الاختلاف ليس في المضمون، لا في اللغة المستخدمة التي سئم الخضوع لحروفها، ولا في المسافة الفاصلة بين وجودها. جغرافياً، ما تزال المسافة على حالها، إنّما عاطفياً فهي بُعد الأرض عن نبتون. تختلف بأنه يكتب لها وهو متيقّن أنّ كلّ شعور تجاهها قد ووري الثرى، ويكتب وهو متأكد من أنه لن يسامحها.

يكتب لها هذه المرة لا ليريح غرورها، بل ليريح ضميره. «دعيني أذكركِ بما فعلته في الأسابيع الأخيرة؟!» يبدأ الرسالة. اتّصلت به عندما عاد من السفر لتطمئن عليه، ولتقول كم هي متلهفة للقائه. للمرة الأولى لم يجبن من عباراتها المعسولة والمجبولة بالمكر. كان قراره واضحاً، لا عودة للماضي، أصدقاء فحسب. ائتمنها على أسراره كصديقة كتومة، أخبرها عن حبيبته الجديدة، قال لها: «دعينا نتصرف بطريقة حضارية، أن نكون بجانب بعضنا البعض عوض أن نكون خصمين متناحرين». اتّصلت به بعدها لتخبره عن مشاكلها العاطفيّة، فماذا بدر منه؟ الإصغاء والصبر ومحاولة المساعدة. وعندما لم تفلح العلاقة مع شريكها، اتّصلت لتعلمه بالأمر، وما كانت ردة فعله؟ لا شيء.. لم يشمت، لم يفرح، بل واساها، كان يفكّر: «هذا ما يفعله الأصدقاء».
استمر في القراءة

بإسم الصورة والكلمة والإمرأة المشتهاة


Flickr.com/erin MC hammer

أسعد ذبيـان

لم يستطع إلتقاط صورٍ لها، لأنّها كانت تخفي وجهها خلف القميص الأزرق. كانت تدير ظهرها بعيداً عن العدسة التي تحاول انتهاش صورة فوتوغرافية لها يحنطها هو في ألبوماته. لم تكن تعرف أنّ رائحة وجهها محفورة في ذاكرته. كانت تخبره صديقته منذ أيّام عن الوقت الذي ستأتي فيه إمرأة وتزعزع كيانه، أخبرته أنّ “ضربة المقلاة” ستصفعه في وجهه بحيث تنسيه كل الفساتين القصيرة والأرداف المشدودة التي تمخر في شوارع المدينة الحارة. لم يخبره أحد عن الطريق/الدرب الذي ستسلكه فارسة الأحلام، لم يخبره أحد عن لون الجواد الذي ستمتطيه. خمن في عقله كل إحتمالات اللون، وأعدّ أذنيه لسيمفونيّة بيتهوفينيّة وللحظة خاطفة يقاس عمرها بسدس نوتة موسيقية. لم يأخذ بعين الإعتبار أنّ الضربة القاضية ستأتيه من الخلف، على جوادٍ إسمه “الماضي”. لم يفكر يوماً في أنّ القادم من الأيام قد يكون مختبئاً تحت طيّات جسده، في مسامه الجلديّة التي يتعرّق منها في أوقات الحر. داهمته رائحة العرق ذاتها عندما صعد معها في السيّارة لتقلّه إلى إجتماع تأخر عليه كعادته. كان المقعد بجانب السائق خلف المقود مدفوعاً إلى الخلف، ابتمست وبررت أنّها ترتاح في مدّ قدميها نحو الأمام. مازحها بسماجته المعهودة بألا تخجل من الإعتراف أنّها كانت تمارس الحب على المقعد، فأعادته للوراء كي يرتاحا (هي وحبيبها). لم تجبه وأكملت صراعها مع زحمة السير والمنعطفات الضيقة.

استمر في القراءة

بعد عام


Flickr.com/Frank Wuestefeld

أسعد ذبيـان

مرت ستة أشهر جديدة.. أضافها على الستة السابقة، فكانت عاماً كاملاً، دارت فيه الأرض فيها حول الشمس مرة كاملة.. تكرر في صباح ذلك اليوم كتابة التاريخ نفسه بفارقٍ بسيطٍ لرقم إضافي زاده في آخر التاريخ.. عام كامل مر عليه وعليها، عاد الخامس عشر من شباط ليدق باب رزنامته مجدداً، بارداً كان وطويلاً، حاول أن يستقبله بالفرح والإبتسامة والضحك.. لكنه لم يستطع أن يختمه إلا بجوعٍ وعطشٍ شوقٍ وحرمان.. البارحة كان عيد الحب واليوم عيد الشوق والحنان! أراد أن ينفصل عن كل ما يجمعه في الحياة، عن كل الذين يحب أو كل الذين يرى ويسمع ويحس بهم حوله، عن كل الذين يعشقونه ويعشق، عن كل ما يتذوق ويلمس ويستنشق لينفرد بنفسه وقلمه وورقته… أراد أن يتنفس حبراً ويتنشق ذكريات ويتذوق إختباراً لذاته وكيانه. أراد أن يفصل نفسه عن العالم ليكمل الرواية، ليكمل القصة التي بدأت الحياة كتابتها منذ عامين وأنهت فصلها الأول منذ عام.

منذ عامٍ سطر نهاية مفترضة غير أنه لم ينتبه بأنه يضع مخططاً لبداية تأتي وتأتي وتأتي ولا تعرف أن تنتهي..

عاد بعد نصف العام ليكتب عن قطيعتهم، ليكتب عن تحديهم، عن كبرياؤهم، عن خصامهم، عن شوقهم وصراخهم. عاد بعد نصف العام ليفسر على طريقته نظرته لأمور، عاد ليكتب رواية النصف عام بطريقتين.. عاد ليكون مرة الضحية ومرة الجلاد…

وعندما أنهى الروايتين كتبت له: “قل لي بأنك لم تقل هذا الكلام… لكنه كان هو الكاتب والمخرج والبطل ومهندس الديكور ومدير المسرح. أنهى الروايتين معتقداً أنّ الفصل الثاني من الرواية سيكون الأخير وأن لا عودة للوراء.. ظن أنه يكتب إعترافاً منه ومنها بأن مستقبلهم انتهى وأن كلامهم قد خرس وأن تاريخهم سوية قد توقف.. لكن للقدر طريقة طريفة في السخرية من شخصيات القصة والحياة. كان له أن يعيد كتابة الرواية لستة أشهرٍ جديدة.

في الأيام الأولى، راسله صديقه الذي يعرف أسراره قائلاً: “منذ أسبوعين كنت تشتاق الهيفاء، ومنذ شهر كنت تستحن الحسناء. لو نجح الأمر مع أي منهما لكنت قد نسيت أمر الحبيبة.. أنت تشتاقها لأنها بعيدة وتظن أنها المرادة.. يا صديقي، لقد عرف البشر منذ الأزل معنى (الفراغ) ولذلك ملؤه بالدين والله والإيدولوجيات.. هون الأمور على نفسك.. وابتدع لذاتك قضية جميلة..”.

استمر في القراءة

أبحث عنكِ III


أسعد ذبيـان

أبحث عنكِ في ربطة عنق الأيام، وفساتين الليالي الصاخبة. أبحث عنكِ في الأنامل ذات الأصبع المتورم نتيجة الكتابة. أبحث عنكِ في الأنامل الراجفة قبل نص رسالة هاتفيّة، والأنامل التي تطعمني عسلاً وعنباً وعطراً. أبحث عنكِ في الأنامل التي تعبر الأجساد، والأنامل التي تتوقف على الأجساد. أبحث عنكِ في أنامل روح تلامس البشر، وأنامل شهوة تدغدغني قبل استسلامي للنوم، وأنامل آلهة تعبر فوق إدراك المؤمنين. أبحث عنكِ في أناملي التي أقلمها لتحت اللحم، وأنامل رفيقة الصف المثيرة، وأنامل المرأة العجوز في حافلة النقل الصباحيّة. أبحث عنكِ في أنامل الأطفال الذين لم يولدوا بعد.

أبحث عنكِ في دفاتر التلاميذ الجامعية، في الحمل الزائد لحقيبتكِ، في ذكريات حقبتكِ. أبحث عنكِ في اليافطات موزّعة يمنةً ويسار. أبحث عنكِ في مذيعات الأخبار، ومقدمي البرامج المسائيّة. أبحث عنكِ في جمهور كرة القدم لفريقي الإسباني المفضل. أبحث عنكِ في نقاشٍ فلسفي مع أصدقاء حول وجود الله. أبحث عنكِ في دقائق إنتظار زحمة السير البائسة والبالية. أبحث عنكِ في طريق نحل فيروز.

أبحث عنكِ في قطع الحلوى، وقهوة أشتريها من شابٍ على عربة بحسم نصف ثمنها. أبحث عنكِ في عيناي صديقٍ قديم التقيته يسألني عن حالتي العاطفيّة. أبحث عنكِ في امرأةٍ حامل تحاول اجتياز الشارع برفقة والدتها، وفي طفلةٍ صغيرة تلوّح من شباك عربة أبيها.

أبحث عنكِ كلّ مرّة يقرع الباب، وكل مرّة يصدر الهاتف أنيناً أم نغماً. أنا لا أبحث عنكِ خلف الباب، بل أبحث عنكِ في الخشب، وفي الإرتفاع، وفي العرض، وفي اللون الذي طليته ذات شتاء، وفي المزلاج، وفي اشتباك المفتاح معه كلّ مرّة أهمّ أن أدخل إلى ما بعد العتبة من دونك. حتّى الباب يرفضني من دونكِ، وقرّر أن يترك وظيفته الصمّاء ويبحث عنكِ.

أبحث عنكِ في الزهر تقطفه عذارى الروح، والشركات الذي تقطره، وتعلبه في زجاجاتٍ لإستخدام عذارى الجسد المزيفين. أبحث عنكِ في فيلمٍ إباحيّ ما بعد منتصف الليل. أبحث عنكِ في مسلسلٍ تركيّ مدبلج بالسوريّة، يذكّرني بنظيرٍ مكسيكي اعتلى عرش قلوب الجماهير قبل عشرة أعوام. أبحث عنكِ في طوابق إسمنتيّة يشيّدونها، وأجسادٍ أنظرها علّك تقطنين إحداها وتخرجين منها عندما ينتابك الملل.

أبحث عنكِ في الزمن، ذاك الذي قاسوه وفصّلوه وألبسوه اسماً فصار وقتاً. أبحث عنكِ في المكان الذي أجلسوه القرفصاء ثمّ ما لبثوا أن اعتدوا عليه، واغتصبوه، وحولوه مدناً وبلداناً ومقاطعات. أبحث عنكِ في مشكلة الإحتباس الحراري، وأنا متأكد أنّ لكِ يداً في الموضوع. أبحث عنكِ في التقارير الجنائيّة لحالات يشتبه بأنّها سكتاتُ دماغية، وأنا متأكد أنّ لكِ يداً في الموضوع. وأنا متأكّد أنّ لكِ باعاً طويلاً في موضوع جلبي مكبلاً بالحواس إلى هذه الحياة. وأنا متأكد أنّ لكِ دوراً رئيسياً في تفضيلي تضاريس جبلاً معيناً يأخذ شكل نهدكِ الأيسر. و وأنا متأكد أنّ لكِ دوراً في الإنقلابات الفصليّة الحاصلة في نظام حياتي، وفي تولّي جمعية الإتحاد والترقي الحكم العثماني (ودوراً في إعجابي بالإسم)، وفي كلّ اتحادٍ مضى، ورقيّ يأتي. وأنا متأكد أنّ لكِ دوراً في كسوف نجمي، وسطوع أملى. وأنا متأكد أنّكِ لا بدّ متهمة بشيءٍ ما على الأقل، وأجزم أنّكِ كنت يوماً في خانة شطرنج وقتلتِ فيها الشاه، وعلى ذلك سأعاقبكِ بوضعك في قفص الإتهام. ولكلّ هذه الأمور، حضرة القاضية المتهمة، سأجول كلّ محاكم العالم بحثاً عنكِ.

أبحث عنكِ في محطة الوقود، وموقد الحطب، وحطب الأشجار، وشجيرات صدري، وصدر الغرف، وغرفة الدقيق، ودقّة الساعات، تلك الساعات التي يضعونها في محطات قطار الحياة. أبحث عنكِ في كراسي متعبة من شكلها الهندسي، وفي شبابيك اخترقتها رصاصات، وعشعش فيها السنونو. أبحث عنكِ في أثاث معرض مفروشات يملكه صديق، وفي آلاتٍ موسيقيّة تعبق بالحياة في معاهد الكونسرفاتوار. أبحث عنكِ في حقائب السيدات الجلديّة يحمونها كحماية شرفٍ رخيص. أبحث عنكِ في زند فتاة تربطه بساعة ذهبية كي لا يقع من يدها، وفي كعبٍ عالٍ أسود ترتديه صبية لتشارك في تظاهرة لأجل غزة.

أبحث عنكِ في هتافات يرددها المحتجّون، وعيون شرطة مكافحة الشغب، والحافة الداخلية من خراطيم المياه. أبحث عنكِ في يدٍ مكسورة لطالبٍ ثانويّ يرسله المدير إلى مستشفى حاملاً بوليصة تأمين انتهت مهلة صلاحيتها. أبحث عنكِ في انحناء أوراق الشجر لغناء ريحٍ قادمة من أرض المياه. أبحث عنكِ في تمرّد رجلٍ يميّز الحق من الباطل.

أبحث عنكِ في أمور نهملها لأننا التهينا بالأحدث من نوعها، بملابس ضاقت بنا، وألعابٍ كبرنا عليها، وفضلات طعامٍ فاخر تمّ إعداده لوليمة، إمّا نرميه وإمّا يأكله غيرنا. أبحث عنكِ بين رأس القلم ورحم الورقة، وبين الأزرق يعبر فوق الأبيض برسومٍ إرتضينا تسمييتها لغة. أبحث عنكِ بين قلمٍ وورقة، وبين خواطرعقلٍ و ذكريات قلبٍ، وبين الأنامل.

أبحث عنكِ – II


Searching for a Needle in a Hay Stack / Wikimedia.com

أسعد ذبيـان

إنّه أسبوعٌ آخر يبدأ من دونك.. وأنا كنت لا أحسب الأسابيع التي لا تبدأ بكِ، فأقول أنّ عمري لم يتجاوز العام. إنّه يومٌ جديد من بحثي المضني من دون جدوى. يعتقد البعض أنني لا أعرف أين أنتِ؟ أو أنني لا أملك عنوانك، أو رقم هاتفك. بلى! ولكنّي أتعمّد البحث حيث لا ولن أجدكِ.

أبحث عنكِ في الماضي الذي يجمعنا، وفي قطعة “كعكة” تركناها على طاولة المطعم. أنا أبحث عنكِ في الطيّات التي تؤلمني عندما أدقق فيها، وفي سهري الذي يتعب عيناي. أبحث عنكِ في كل ما تبغضين، من نرجيلة مرةٍ أو مرّتين في اليوم، إلى نعاسٍ أتحامل عليه لكي لا أستسلم للفراش الخالي من مسام جسدكِ.

أبحث عنكِ في ندمي على حماقاتٍ ارتكبت. أبحث عنكِ في ليلة التقيتك، ليلة التقطت لنفسي صوراً بالبدلة الرسميّة. أبحث عنكِ حيث أعرف أنّكِ لن تكوني، لأنني أخاف أن ألقاكِ. أبحث عنكِ حيث لا أستطيع أن أخدش خدكِ بدمعة، وأضيف على أحزانكِ كرباً.

أبحث عنكِ في صخرة قبلاتنا، في مطعم عبثنا، في سلالم جنوننا. أبحث عنكِ في “شوكولاتة” لذيذة من النمسا، وملابس داخليّة من هولندا. أبحث عنكِ في هديّة ابتعتها لأختي الصغيرة. أبحث عنكِ في حقيبةٍ ملككِ وهي معي، فيها ما لذّ وطاب، لأنّ فيها أجزاءً التصقت بكِ. أبحث عنكِ في صورة فوتوغرافية يتيمة لوجهٍ ملائكيّ، وفي مكاتيب صغيرة ومغلفٍ أحمر. أبحث عنكِ في ورقةٍ كتبت بحروف متناهية الصغر.

أبحث عنكِ في شارعٍ مليءٍ بالمباني العالية، وبمنظرٍ يطلّ على بحرٍ لا يخجل من لمس عريَ المدينة. أبحث عنكِ في عقدٍ تلبسينه حول رقبتكِ، فيه الإسم الذي أطلقته عليكِ. أبحث عنكِ في مناجم الذهب ولا أصطدم إلا بالفحم الأسود. أبحث عنكِ في وقتٍ مجمّدٍ بقارورة، وبشمسٍ ثانية، وقمرٍ ثالث، ومياهٍ أتنفسها وهواءٍ أشبع منه، أبحث عنكِ في عالمي الذي لا ينتمي إليه أحد.

أبحث عنكِ في عطش صبّار الصحراء لقطرات ماءٍ تزوره على عدد أصابع اليد في كل عام. أبحث عنكِ في القضايا الجميلة، وزمن الأحلام الورديّة. أبحث عنكِ في هويّتي ذات الصورة الطفوليّة، في هويّتي التي اخترعوها وهندسوها. أبحث عنكِ في اسمي الذي اختاروه هم، في أهلي، في عائلتي، في ديني، في طائفتي، في لوني، في شكلي الذين رضيت بهم من دون خيار. أبحث عنكِ في فلسطين التي تبحث عن هويّة. أبحث عنكِ في بحثي عن الله، والمجتمع، والإنتماء.

أبحث عنكِ في السكر الذائب في قدح الشاي، وصعتر “المنقوشة” اللبنانية التي ابتاعها من كافيتريا الجامعة. أبحث عنكِ في عناوين الصحف، واعترافات بدر شاكر السياب، وقصائد محمود درويش. أبحث عنكِ في واجهات المحال، وارتفاع المذائن، واتساع الكنائس. أبحث عنكِ في المقاهي الباردة، والمظلات الهاربة من أيادي أصحابها والحزينة التي لا تتلقف الماء بل تنثره جانباً. أبحث عنكِ في مدوّنات شباب وشابات بيروت، وشاميّ في الأندلس، ومشاريع وكليّاتٍ لـ”ليلى”. أبحث عنكِ وأتعمّد ألا أجدكِ، فلا لذة مثل لذة البحث عن إله.