رحلة جوية مع حكايات مضيفي الطيران ومضيفاته


أسعد ذبيـان
ملاحظة: التدخين ممنوع.. الرجاء ربط الأحزمة طيلة فترة السفر في هذا التحقيق.

 

 

تصل الحافلة إلى الحي وتطلق نفيرها بمحاذاة المدخل. في اللحظات ذاتها، تستنفر عليا بعد أن تكون قد أنجزت استعداداتها: حمامٌ سريع، عطر على الملابس، حقيبة السفر الصغيرة، بعض الحاجيات، والزي الرسمي. تفتح الباب على مهلٍ كي لا توقظ زميلات أخريات موعد رحلتهنّ مختلف. بعدها، ضغط على أزرار المصعد، صعود في الحافلة، وانطلاق نحو المطار.
لا تختلف تجربة عليا عن تجربة أي مسافر، إلا في تكرارها اليومي. كل يوم في عاصمة، ولكنّ المبيت في المنزل نفسه إن كانت الرحلة قصيرة (بضع ساعات ذهاباً وإياباً)، في حين يكون للفنادق النصيب الأكبر من احتضان «جميلة السفر» في الرحلات البعيدة.
Advertisements

يوميات عامل توصيل


أسعد ذبيـان

نشرت في مجلة حبر لبناني

“قول الله..” ينطق بها عامل الدليفري أمام محلات بربر في الحمراء، وهو في طريقه لركوب دراجته الناريّة وتوصيل “طلبية” لأحد الزبائن، بعد محاولات المسؤول عن قسم الطلبيات أن يشرح له عنوان الزبون.. “بناية طبارة، جانب السفارة..”. “قول الله” وينطلق لخدمة زبائن ينتظرون على أحر من الجمر طعاماً لا وقت عندهم لإعداده، فكيف بانتظار توصيله لوقتٍ طويل؟

دائماً متأخرون؟

قاربت الساعة الواحدة ليلاً ولم يصل عامل “الدليفري” إلى محل “موجو” في الحمراء، يعد فراس الدقائق، ينفذ صبره، فيرفع السماعة ويطلب أرقام المطعم. يحاول جاهداً ضبط أعصابه “طلبنا طعاماً منذ ثلاثة أرباع الساعة ولم يصل بعد، ما المشكلة؟”، يتمتم الطرف الآخر بعض الكلام، يقفل فراس الخط. عشر دقائق تمر، ربع ساعة ولا طعام بعد. يحنق فراس ويتصل مجدداً، هذه المرّة يعلو صوته بنبرة متضايقة. يجري حديثاً مقتضباً، يسمع ومن ثمّ يغلق الخط مرّة أخرى، تطلب عيون رفاقه تفسيراً، يتوقع منهم ذلك، فيعلن: “قال لي الرجل على الطرف الآخر أنّ عامل الدليفري لديهم (حمار)، لديه طلبيتين، واحدة هنا والثانية في وسط البلد. كان يجدر به أن يمر من هنا أولاً لأنه على طريقه، لكنه توجه للمقصد الثاني”.

استمر في القراءة

نفق البربير بلغة اللحم والدم


أسعد ذبيان

نشرت في جريدة حبر لبناني

لم يعد هناك جسر البربير. حسناً، لاحظنا الأمر. زحمة السير خانقة، أمرٌ اعتاد المواطن عليه. طرق مقطوعة نتيجة الأشغال، شتائم السائقين وتذمر أصحاب المحال التي غمرها الغبار بدت مألوفة. ما الجديد في مشهد حفر “نفق البربير؟” حرارة الطقس زادت عن حدها بعض الشيء ولكنها لا تكفي لأن تكون خبراً بحد ذاتها، هلّ هلال رمضان والدنيا صومٌ بعده إفطار، فما الغريب في الموضوع؟ القصة تفتقد بعض عناصرها، ذكرنا الزمان والمكان، لكننا دائماً نغفل أهم التفاصيل: الشخصيات. من هو ذاك الذي يرتدي السترة البرتقالية وينفذ الأعمال الشاقة بأجرٍ زهيد؟ من هو ذاك الذي تطاله شتائمنا لأننا نتأخر عن المواعيد؟

يبلغ الطول الإجمالي للنفق المطلوب تنفيذه في البربير 236 متراً، وعرضه 15 متراً، هذا ما تفيد به أرقام “شركة الإتحاد للهندسة والتجارة”. أمّا ما لا تذكره الأرقام فهو أنّ “تحسين” سقط على الأرض عند الحادية عشر من نهار الأربعاء في 18 آب. كان جسده حاراً يتقبل لهب الشمس برحابة الصدر، قبل أن يقرر أن يفرغ ماءً مثلجاً على جسده. لم يتقبل عقله التغيير الشديد في البيئة المحيطة بالجسد، فخرّ الرجل أرضاً.

بلغة الخرائط، تشمل الأشغال منطقة تمتد غرباً من مدخل حيّ الطمليس وصولاً إلى جادة بشارة الخوري شرقاً، ومن مهام النفق الجديد تأمين مداخل نحو حيّ البسطة من جهة، ونحو الطريق الجديدة ومستشفى المقاصد من جهة أخرى.

استمر في القراءة

الجهاد الأكبر ضد النفس: “شيف” صائم


 

أسعد ذبيـان

نشرت في موقع شباب السفير

إنّها الساعة الثامنة والنصف، مضى موعد الإفطار منذ ساعة وربع تقريباً، ولكنّ عمال المطبخ في مطعم “بربر” في الحمراء، بدأوا إفطارهم منذ دقائق فحسب. المعلّم فراس جمّة (سوري الجنسية) يستعجل الخروج من الطابق العلوي ومن بين الخضار وروائح الطعام إلى الشارع لكي يستأنس بسيجارته الأولى منذ أكثر من 12 ساعة. يرافقه زملائه في المطعم، فيتكومون حول صندوقٍ أبيض يعلو إحدى دراجات الـ”دليفري” النارية. يجاهد هؤلاء الشباب النفس أكثر من غيرهم، فصيام رمضان صعبٌ لوحده، وتزامنه مع الحر والنهار الطويل يزيد من مصاعب ملتزمي الفريضة. فكيف إن كان عملهم في المأكل الذي يجب أن يبتعدوا عنه؟

استمر في القراءة