الشيخ نعيم قاسم: خذوا الآخرة واعطونا القوانين


أسعد ذبيـان

لماذا علينا دائماً أن نقزّم أنفسنا لنتعاطى مع حقوقنا في الحياة؟!

في وسط المعارك الإنسانيّة الطاحنة في المنطقة (لا تلك التي تعنى بالحفاظ على بضع أشبار من الأراضي وسط صرخات من التهويل بجيشٍ محمديّ أو بوعودٍ في الجنّة). في وسط تلك المعارك التي ينبري إليها شبابٌ عربيّ يسأل عن حقه في الحياة في مصر (دعوات للثورة المصرية الثانية لتنطلق الجمعة القادمة)، وليبيا والبحرين وسوريا واليمن وتونس.. وفي وسط صراعات الحق الإنسانيّ في العودة إلى فلسطين الأرض وفلسطين المنزل وفلسطين الطفولة (قبل أن تكون أرض الميعاد أو ثالث الحرمين أو مهد المسيح)، في العودة إلى فلسطين الإنسانيّة لا فلسطين الفئويّة.. في وسط الصراع من أجل حريّة الحياة دون الإتهام بالعمالة، وحق تنشق العدالة والمساواة في لبنان من خلال مظاهرات مطلبيّة لعمال وفلاحين… واعتصامات لشبابٍ في مقتبل العمر وربيع الشباب ضحوا بوقتهم ليناموا في العراء من أجل اسقاط النظام الطائفي.. في ظل صوت النساء المرتفع من أجل اسقاط جرائم الشرف، ومن أجل حق المرأة في تمرير الجنسيّة لأولادها لو اقترنت بأجنبي اٍسوةً بالرجل ومن منطلق المساواة في المواطنة والإنسانيّة.. في خضم كل هذه المعارك الجميلة والتي تعطي قيمة للحياة، وقيمة للموت (من دون وعود بمكافآت عليها في الدنيا أم الآخرة).. في خضم كل هذا نجد نفسنا نقزم أنفسنا في حقوقنا لنردّ على كلام لا يعرف الإنسان إن كان المراد به حقٌ أم باطل..

استمر في القراءة

Advertisements

محكمة الشعب لحق المرأة في تمرير جنسيتها: عالسكين يا عدالة


 يحتار المتواجد في مسيرة "جنسيتي حق لي" من أين يبدأ سرد القصة؟ اليوم مجرد صفحة بيضاء واحدة من فصل من فصول كتاب معاناة المرأة اللبنانية ذا الغلاف الأسود القاتم والمليء بصفحات الإنتكاسة كان آخرها تجريد أولاد سميرة سويدان من الجنسية اللبنانية بعد أن كان الحكم القضائي الأول أعطاها الحق. ويبدو أنّ هذا الكتاب لم يتأثر بعد بغرام التراث الشرقي بنجاة البطل وفوزه، وكل محاولات الإخراج الواقعي لم تأتِ بثمارها بعد. أمّا العنوان العريض فهو: المرأة اللبنانية (كنظيرتها السورية) غير قادرة على إعطاء الجنسية لأولادها. التفاصيل: دولة عنصرية رجولية، تمجد الذكر وتعطيه حقوقاً أوسع. الحل، أو فلنقل محاولة ابتكار حل: مسيرة من أمام مبنى وزارة الداخلية في الصنائع إلى محكمة الشعب الصورية (رصيف المنارة) تحت لهيب شمسٍ حارقة لم تمنع 250 من المشاركة للضغط على المشرعين علهم يسمعون.  أهي نعمة الأحد أو لعنته هي التي تطارد المطالبين بالحقوق المدنية (على غرار المسيرة العلمانية المشابهة منذ شهرين)؟ فالأحد عطلة، والناس نيام، لا نواب في مجلسهم، ولا مواطنين ليستمعوا ويناصروا القضية المحقة. كان الصوت واحداً علّ الضمير يستيقظ: "يا زعيم ويا مسؤول، نحنا نزلنا حتى نقول.. سلب حقوقنا مش مقبول". نساءٌ حرمنا من حقوقهن الأساسيّة، وأزواجهنّ الأجانب (حسب تعريف الدولة التي تطبق القانون العثماني)، وأولادهنّ شاركن في المسيرة. طفلة لا بتجاوز عمرها ثلاث سنوات يحملها رجل مسن على كتفه الأيمن، وعبثاً يحاول ان يضع قبعة على رأسها، لكنها تصر ببراءة الطفولة على خلعها وسط استغرابها لترديد المتظاهرين: "وغلا أمي عليّ، ودمها اللي بيجري فيي.. نضالي رح يستمر.. وما رح كل وما رح مل.. تأحصل عالجنسية". سيارة الشرطة في الأمام، تليها سيارة مزودة بأجهزة الصوت، بعدها بنصف متر آلات التصوير والصحافيين الذين يلتقطون بعدساتهم تفصيلاً قد يغيب عن الذاكرة عند كتابة المقال، ويليهم كلهم المتظاهرين، هكذا بدا الموكب الذي اخترق الشوارع في بيروت.   في تفاصيل صور صفحة الكتاب: يافطة تقول "بحبك يا لبنان، من طرف واحد"، حملتها إحدى المشاركات للدلالة على الذي لم يعدل بين رعاياه، فميز بينهم حسب الجنس. فتاة تغطي ظهرها بعلم لونه أبيض وأخضر، يتخلله شعار سنبلة الزيتون ومذيل بتوقيع "تجمع النهضة النسائية". إحدى المنظمات لهذا التحرك رولا المصري، وفي مقابلة "مسلوقة" نتيجة الشمس وسرعة المشي، عبرت عن فرحتها بهذا اليوم الجميل وبأنّه "قد تم دعوة العديد من مؤسسات المجتمع المدني وحقوق الإنسان للمشاركة بهذه المسيرة"، أمّا لماذا غابت شعارات الجمعيات النسائيّة فجاوبت المصري: "وجدنا أنّ هناك بعض المنافسة بين هذه المجموعات، فقررنا دعوتهنّ كأفراد لا كجمعيات لتلافي أي إشكال خصوصاً أنّ الهدف واحد". ثلاث فتيات شقراوات قررن البقاء في الخلف، كل واحدة منهن ترتدي نظرات سوداء، وفي كل حين يسرحن شعرهن الطويل بحركة من إحدى اليدين لإبعاده عن وجههن. "نور" ابنة الستة سنوات تخترق صفوف الجماهير لتصل إلى الصف الأول، يطاردها والدها "عيسى" المصري ليثبت قبعتها، في حين ترفع هي يافطة كتب عليها: "المواطنية بتبدا عند الإم، وبتكفي مع أولادها". تزوج عيسى منذ 17 سنة، وهو يقطن لبنان منذ 22 عاماً، رزق بفتاتين: نور وفتاة عمرها ستة أشهر. ستمنحه الجنسية اللبنانية راحة البال (لا كما تجعي القروض المصرفية أنها تؤمنها). كل ما يطلبه عيسى هو ألا يخاف من الغد ويبقى مع عائلته وهذا يتمثل بـ "الضمان لي ولعائلتي، التعليم لأولادي في المستقبل، والوظيفة التي تنتظر جواز سفرهم اللبناني لا الأجنبي".  تقترب المسيرة من المكان الذي نصبت فيه محكمة الشعب الرمزية في كورنيش المنارة، وتعلو معها الأصوات مرددة: "والمرا اللبنانية، ما بتمنح الجنسية.. دولتنا طائفية، وقوانينا مهترية.. حجتكن هي هي.. خلصوا هالتمثيلية.." يتحامل أعضاء الأمن العام ويعضون على الجرح، إقترب أحدهم ليوشوني: "هؤلا لا ذنب لهم بالشتائم التي تطال الدولة، هم منا وفينا.."، يقترب أحد المنظمين من سيارة الأمن العام ويقدم لهم الماء ليشربوا.   أمّا ماريا المحجبة فقررت أن تحمل يافطة كتب عليها "إبنتي لبنانية مع وقف التنفيذ"، وتقول: "أمي لبنانية وأبي سوري، استطعت الحصول على الجنسية البرازيلية قبل اللبنانية، مع إنني ولدت هنا". ماريا التي بلغت من العمر 23 سنة تعمل ولكنها تبقى من دون ضمان إجتماعي، لأنّ القانون لا يعترف بها كمواطنة، هو القانون نفسه الذي جعلها تدفع مليون ليرة للجامعة اللبنانية أي أكثر بثلاثة أضعاف من جاوروها على المقاعد الدراسية. تضيف ماريا: "لا أستطيع العيش خارج لبنان، عندما جرت حرب تموز وهربنا إلى سوريا، لم أستطيع تخيل العيش خارج لبنان. أنا لبنانية وأريد الجنسية لأشعر بأّن بلدي يبادلني المحبة ذاتها".   أمّا فاطمة رمال وبديعة الأبيض المتزوجة كلاً منهما من مصري، يتشاركان الهمّ ذاته، فارتديا سترة المنظمين، ومشتا سوياً على الرغم من أنّ كلاً منهما (وهو ما تحب أن تسمعه الدولة اللبنانية) من دين مختلف. ففاطمة متزوجة منذ 26 سنة، ولكنّ زوجها فارق الحياة. لها ابنة تزوجها لبناني فحصلت على الجنسية، أمّا ابنها (23 سنة) فأمه وأخته لبنانيتين وهو يعتبر أجنبي. تقول الأم: "هو المسؤول عني والمعيل الوحدي، كيف له أن يقدم لي أي شيء في حين لا يوظفه ولا يضمنه أحد؟". بينما بديعة، فلها فتاة وصبيين، تمّ إيقاف أحدهم في العام 2008 بحجة أنّه دخل إلى لبنان خلسة في حينّ أنّه ولد هنا ولم يخرج من البلد مطلقاً. "قضية الجنسية تجعل أولادي يشعرون بالغبن والتعب النفسي". وبخصوص إقامة المجاملة التي أصدرها الوزير بارود، فكان الجواب عليها: "ماذا عن جواز السفر؟ ماذا لو كان لديهم فرصة للعمل أو حاجة للطبابة في الخارج؟". وتلفت السيدتين النظر إلى مشكلة ألا وهي الخدمة الإجبارية، فأولادهنّ يمتلكون الجنسية المصرية وبالتالي عليهم أن يخدموا في الجيش، وفي حين أنهم بقوا على الأراضي اللبنانية وأتموا سن الإستجعاء، فهم يخشون العودة إلى وطنهم لأنّه سيتم إعتقالهم بتهمة الهرب من الخدمة. ولا يمكن الحصول على الإعفاء من السفارة، خصوصاُ في ظل غياب جنسية أخرى.   توقف إمرأة سيارتها على قارعة الطريق، تخرج بسرعة وتصطحب ابنتها الصغيرة بيدها اليسرى وتنضم إلى المتظاهرين. ترفع يدها اليسرى التي تحمل بها المفتاح وتردد الشعارات: "اسمع اسمع يا شعبي، بوطني وحاسس بغربة.. عم ناضل ونزلت اليوم، لأن حقوقي مش لعبة". طفلة أخرى محمولة على الأكتاف تحمل ورقة كتب عليها بالإنكليزية: "صنع في لبنان"، ولكن الدولة لا تعترف إلا بالمنتوجات التي تسوق لها وزارة الصناعة.   يتحملق المشاركين تحت بعض الظلال إلى جانب عدسات تصوير نصبت أمام خشبة مسرح صغيرة. يدخل من بين الناس ممثل بزي قاضِ، يتأبط مشاريع القوانين في ملف أسود ويصرخ على شاكلة بائعي الخضار: "وقية عدل على ذوقك.. شوف المساواة بتتاكل أكل.. عالسكين يا مساواة، الزلمي متل المرا". قبل أن يتناول عربة عليها بطيخ أحمر وأصفر، فيجرها أمامه ويفرغ حمولتها على ميزان قديم أكله الصدأ يتوسطه العلم اللبناني أمام الجمهور. ثمّ يعلن محاكمة الدولة اللبنانية صورياً، ويستدعي المدعى عليه، فيدخل ممثل الدولة، ووسام الأرز يلف صدره، فيخطب بالجماهير كعادة النواب والوزراء اللامسؤولين: "القانون والدستور.. مهمتنا حفظ النظام.. الكل تحت القانون"، وهي اللازمات الشهيرة لممثلي الأمة. يستقبله الجماهير بصيحات إستهجان، قبل أن يصعد المدعين (حالات لأفراد يعانون نتيجة الحرمان من حق إعطاء الأم لجنسيتها لأولادها) ويرفعون قضاياهم أمام الجمهور".. خلاصة الحكم ما جاء على لسان القاضي في معرض حديثة مع سيادة الدولة: "اسم الله البيع تمام.. المساواة نفقت، والعدالة خلصت"! قبل أن يرمي بالميزان وحمولته من البطيخ أرضاً.

أسعد ذبيـان

يحتار المتواجد في مسيرة “جنسيتي حق لي” من أين يبدأ سرد القصة؟ اليوم مجرد صفحة بيضاء واحدة من فصل من فصول كتاب معاناة المرأة اللبنانية ذا الغلاف الأسود القاتم والمليء بصفحات الإنتكاسة كان آخرها تجريد أولاد سميرة سويدان من الجنسية اللبنانية بعد أن كان الحكم القضائي الأول أعطاها الحق. ويبدو أنّ هذا الكتاب لم يتأثر بعد بغرام التراث الشرقي بنجاة البطل وفوزه، وكل محاولات الإخراج الواقعي لم تأتِ بثمارها بعد. أمّا العنوان العريض فهو: المرأة اللبنانية (كنظيرتها السورية) غير قادرة على إعطاء الجنسية لأولادها. التفاصيل: دولة عنصرية رجولية، تمجد الذكر وتعطيه حقوقاً أوسع. الحل، أو فلنقل محاولة ابتكار حل: مسيرة من أمام مبنى وزارة الداخلية في الصنائع إلى محكمة الشعب الصورية (رصيف المنارة) تحت لهيب شمسٍ حارقة لم تمنع 250 من المشاركة للضغط على المشرعين علهم يسمعون.

أهي نعمة الأحد أو لعنته هي التي تطارد المطالبين بالحقوق المدنية (على غرار المسيرة العلمانية المشابهة منذ شهرين)؟ فالأحد عطلة، والناس نيام، لا نواب في مجلسهم، ولا مواطنين ليستمعوا ويناصروا القضية المحقة. كان الصوت واحداً علّ الضمير يستيقظ: “يا زعيم ويا مسؤول، نحنا نزلنا حتى نقول.. سلب حقوقنا مش مقبول”. نساءٌ حرمنا من حقوقهن الأساسيّة، وأزواجهنّ الأجانب (حسب تعريف الدولة التي تطبق القانون العثماني)، وأولادهنّ شاركن في المسيرة. طفلة لا بتجاوز عمرها ثلاث سنوات يحملها رجل مسن على كتفه الأيمن، وعبثاً يحاول ان يضع قبعة على رأسها، لكنها تصر ببراءة الطفولة على خلعها وسط استغرابها لترديد المتظاهرين: “وغلا أمي عليّ، ودمها اللي بيجري فيي.. نضالي رح يستمر.. وما رح كل وما رح مل.. تأحصل عالجنسية”. سيارة الشرطة في الأمام، تليها سيارة مزودة بأجهزة الصوت، بعدها بنصف متر آلات التصوير والصحافيين الذين يلتقطون بعدساتهم تفصيلاً قد يغيب عن الذاكرة عند كتابة المقال، ويليهم كلهم المتظاهرين، هكذا بدا الموكب الذي اخترق الشوارع في بيروت.

استمر في القراءة