الغاية والوسيلة*: علي عبدالله والإيديولوجيات والأديان


ali

من صفحة مبادرة علي عبدالله على الفايسبوك (اضغط الصورة لتزور الصفحة)

هل تتذكرون علي عبدالله الذي قضى منذ أقل من شهر في شارع الحمراء في بيروت عندما اجتاحت العاصفة “أولغا” لبنان؟ علي عبدالله كان متشرداً يقبع في زوايا الحمراء (اختلف الناس إن كان يستعطي أم لا، ولكن الكل أجمع أنّه كان يقبل الهبات من الناس إن قدّموها له هم بطيب خاطر). واختلف الناس عن قصّة علي، الذي قال البعض بأنّه كان دكتوراً في الجامعة الأميركيّة في بيروت أو أنّه كان مجنوناً.. المهم أنّ علي عبدالله مات وانتشرت صوره على صفحات التواصل الإجتماعي ولاسيّما موقع الفايسبوك مع تصاريح غاضبة من الدولة والطبيعة والنفس لأنّ أحداً لم يسعف علي. يومها انتقدت أنا شخصياً وآخرين هذا الإهتمام الفاجئ بالضحية القضية التي لم يسأل عنها أحد في حياتها لتصبح “مشروعاً” في مماتها. بعض الردود جاءت لاذعة تتهم الناقد (أنا) باللاإنسانيّة واللامبالاة والـ”لا”(أضف ما شئت من قيم ونبل).. بعض الردود الأخرى كانت أكثر منطقيّة بأنّ علي عبدالله شكّل فرصة ليخدش اللاوعي لدى البعض ليخطفهم من تفاصيل حياتهم فيلتفتوا لقضايا المتشرّدين والمعوزين (بالطبع هم افترضوا أنّ قرار تشرّد علي وآخرين فرضته ظروف المجتمع ولا علاقة للإرادة الفردية الواعية أو اللاواعية بالموضوع). المهم بعد أقل من شهر سمعت أنّ هناك بعض مبادرة استلهمت من قصّة علي لتكوّن ملجأ للمشردين أو لتساعد من أوضاعهم تشابه وضع علي قبل أن يموت. وهذا عنوانها: http://www.theaaf.org/ والذين قاموا بها مقدرة جهودهم، النقد فيما يلي هم للذين ركبوا الموجة!

قصة علي توطئة لأحكي عن ذوبان الفرد في عصرنا الحديث في تبعيّة الحدث – القضيّة – الموضة – الشعار .. أمّا التبعيّة الأكبر اللاظرفيّة فعي تبعية الدين والإيديولوجيا التي رسّخت نفسها (في عمليّة تسويقها) بأنّها عابرة للزمان والمكان. معظم من نعى علي يومها على الفايسبوك نساه اليوم بعد أن أشرقت الشمس وذاب الثلج ورحلت العاصفة، فانكفأ لأموره اليوميّة (لبحثه عن قوته أو تكديس أمواله – لاصطحاب شريكته أم شريكها إلى مطعم أم ملهى، أو الذهاب لمطعم أو ملهى لاصطياد شريك أم شريكة – للدرس – للعمل – للقراءة – للذهاب إلى “التواليت” – للمرض – للسياسة..). مات علي، والحدث – القضيّة – الموضة ماتت (إلا عند البعض).

استمر في القراءة

الغاية والوسيلة: العجز عن الكتابة.. سوريا.. ومترو المدينة


3ajez

عضوك الذكري لا ينتصب؟! أنت تعاني من العجز الجنسي. قلمك لا ينتصب، فماذا نسمّي الحالة؟ عجز ثقافي؟ كتابي؟! كيف أعجز عن حمل قلم سبب فيما مضى انتفاخاً في الأصبع الأوسط لكثرة الكتابة (أقلّها ما زلت أحتفظ بالأصبع الأوسط لأرفعه في وجهي كبطاقة حمراء فأعرف أنني خرجت من اللعبة).. ماذا أسمّي العجز عن القراءة لأكثر من ساعة؟! كيف أبرر الحماسة لموضوع معيّن ومن ثمّ رقصة “الفالس” من خطوتين مع الورقة: أكتب وأشطب..أشطب وأكتب؟ الكتابة على الحاسوب أسهل، ولكنّها مثل الإستمناء.. فد تكون في بعض الأحيان ألذ من الورق، ولكنّها وسيلة أكثر منها غاية.. وإلاّ لكنّا اكتفينا بالإستمناء! كيف نبرر الحماسة لمقالٍ لاذع بعنوان: “كوكولا المحكمة العسكريّة: راعية العمالة” وفيه انتقاد للقاضية التي تطلق سراح العملاء الإسرائيليين في لبنان، ومن ثمّ التخلي عن الفكرة؟ (يبدو العنوان الآن نزقاً باهتاً) – (أظن أنّ القارئ سيمل من كل هذه الأقواس المفتوحة لشذراتٍ عقليّة هو بغنى عنها)..

في الآونة الأخيرة، يطاردني شبح “الرسالة”. والرسالة هي كلمة أم نص، موسيقى، إشارة (وما شابه) تمر في وسط معيّن من مرسل إلى مرسل إليه. تضايقني “رسائل” اليوم المشوّهة، الملغوطة، المفعمة بالتفاصيل أم الخالية من الدسم.. شغفي بالرسالة يكمن في جعلها تصلح لأمر أكثر من تضييع الوقت واصطناع الإهتمام في مستهل الحديث.. أفكر بالشحاذين في الشارع وهم يهرعون لأقرب Couple   مناديين على بضاعة لا وجود لها: “الله يخليلك ياها.. الله يعطيك.. بشرفك جوعان.. جايي من حمص..” (كأنّ الخير سينتصر على الشر إن أنفقت بضع ليرات، أو أنّ القتل في سوريا سيتوقّف إن أعطيته ثمن قنينة مياه معدنية) (قلت لك هذه الكلمات بين الأقواس مثل ليراتك للشحاذ: لا تسمن ولا تغني عن جوع)! المهم.. تراودني فكرة إجراء تجربة مع الشحاذين، فعوضاً عن “الرسائل الـ كليشيه”.. أتخيّل سيناريو جديد بطله الشحاذ والبقية مستعطين. يقترب منك (بالفتحة والكسرة) بلباقة معلناً: “يقول بابلو نيرودا: يمكنك أن تقطع الأزهار.. ولكن لا يمكنك أن تمنع الربيع أن يأتي! ممكن تعطيني ألف؟!”. أقنع نفسي أنّ نسبة الإستجابة لن تتغيّر، سيحصل على تبرع (أسمّيها كفّارة) بنسبة 5 بالمئة، لكنّ المارون بين الأزقة سيعلقون في شباك الكلمات العابرة (درويشيّة). (بدأت أدرك لماذا نزقت الكتابة منّي.. فاللغة الركيكة أعلاه، والسذاجة التي تملأ السنتيمترات المربعة في الجمجمة – وهذه لجورج أورويل – و”دحش” أسماء الكتّاب التي تفضح بحوث الـ”جوجل” لالتقاط عبارات الكتّاب، أدلّة دامغة)!

كيف أبرر العجز الكتابي عن “دويك في الدولة” مروان شربل (وزير الداخلية اللبناني – هذا أول قوس مفتوح عليه قيمة لشرح من هو المذكور)، أو الكتابة عن الشفتين الشهوانيتين للفتاة على يميني، أو بخل النادل (الكريم عادةً) في إعطائي ورقة واحدة لأكتب عليها كل هذا الهذيان؟. كيف أبرر العجز عن اتخاذ الموقف من التدخين: اشمئز منه ومستمر فيه لثلاثة شهور الآن. موقف من الثورة أم اللاثورة في سوريا.. الحديث عن المؤامرة (أصلاً أنا أشك أنّ قانون منع التدخين في الأماكن العامة مؤامرة لزيادة عدد المدخنين.. خذوني أنا مثالاً).. (اعتقدتم سأحكي عن المؤامرة ضد سوريا. ها؟!).

  استمر في القراءة

رسالة إلى سوري قومي إجتماعي


أسعد ذبيـان

الحمراء البيروتيّة هي تصغير للمسلسل السوري الذي بدأ عرضه من قبل رمضان، علّه ينتهي قبل عيد الفطر! حفنة من الشبان والشابات، يمكنك أن تطلق عليهم ما تشاء من الأوصاف ولكنّ جسدهم يشهد لهم. هم عملاء للغرب، ورائحة الغاز المسيل للدموع ما تزال تنخر أنوفهم من جرّاء التظاهر أمام السفارة الأميركيّة في عوكر.. هم خونة تعبت أصواتهم من النداء لتحرير الجولان.. وهم سلفيين ولو ارتدت الفتيات بينهنّ ثياباً “مزنطرة”.. ستبقى الرواية هي هي، ذاك أنّ “غوبلز” قد وضع ميثاقاً لا يخرج عنه نظام تمرّس في ممارسة “الممانعة” لبضعة سنوات (قد تطول لتصبح بضعة عقود)..

في مقهى الويمبي منذ بضعة سنوات، أردى الشهيد البطل خالد علوان بضباط اسرائيليين لأنّه رفض رؤية العدو على أرضه.. تغيّرت الويمبي، صار اسمها “فيرومودا”.. تغيّرت القضيّة: صار المطلوب الدفاع عن النظام لتبقى الأرض، بعد أن كات المعادلة تحرير الأرض لبناء نظام.. وتغيّر الحزب الذي ينتمي إليه علوان، أين فكر “سعادة” الذي رضي الموت شهيداً مظلوماً (ونحن نحتفل بذكرى إعدامه) من نصرة الظالم؟! خلق الحزب لينشر الوعي القومي.. فهل التوعية يا أصدقائي في سكينة، أم في استعراض العضلات، أم في مطاردة مثلي جنسي في الأزقة ونعته بصفة “اللوطي”؟!

  استمر في القراءة

مهرجان المسرح العربي في بيروت


أسعد ذبيـان

نشرت في حبر لبناني

 

لم يكن نهار الثلاثاء عادياً في شوارع الحمراء، فعلى الرغم من أنّ الأسبوع في أوله، ومن غير المتوقع أن تعجّ الشوارع بروادها، إلا أنّ العكس تماماً هو ما جرى. ولتكبر الطامة، كانت هناك ألسنة تنطق بلهجات متعددة ، وثمّ يأتي سؤال الممثل اللبناني سعد القادري: “لم تشاهد العرض السوري؟ أوه، ملحمة وفاتتك”. والعرض المشار إليه بالسوري، لأنّ العروض كلها في الأيام التالية ستسمّى باسماء بلدانها لا باسم العمل. حطّ مهرجان المسرح العربي رحاله في بيروت، وعلى خشبات مسارح بابل، والمدينة – الحمراء، وبيروت – عين المريسة، ودوار الشمس – الطيونة، وبيت الفن بالإضافة إلى الرابطة الثقافية في طرابلس. انطلق المهرجان نهار الإثنين في قصر الأونيسكو، ولكنّ مفاعيله وطأت الخشبات منذ ليل البارحة (الثلاثاء)، فكان لأرض المستضيف لبنان حصّة مع مسرحية فيفا لاديفا، أمّا عنوان المسرحيّة السورية “راجعين”، فكانت محل تندر البعض: “قصدهم في السياسة راجعين؟” تعلّق نضال أيوب خريجة مسرح من الجامعة اللبنانية، على المسرحيّة: قائلة “يجيد السوريون التمثيل فعلاً، مسرحية جميلة، امتازت بالعديد من الومضات”. وكان عنوان مسرحية “الإطار” الليبية على خشبة مسرح بيروت، مخالفاً للمضمون، فالعرض يدفعك للتفكير خارج الخشبات. هي قصّة حياة، وقصة الولادة الصارخة، وحياة الأموات التي يعيشها البعض.

 

استمر في القراءة

فيروز وحنظلة وزياد.. في “شباب السفير”


أسعد ذبيـان

لا يمكن لكشكٍ واحد من بين العشرات أن يسرد القصّة كلها، ولا يسع عدسة واحدة من بين المئات أن تلتقط كل نبضات شارعٍ يعبق بالحياة والحب والمتعة. ولا يقدر شخص واحد أن يصف ما يختلج صدور الألوف الذين وجدوا في يوم العيد متنفس حريّة، ولمسة عتق من عبودية السير والقيادة المتعبة في زحمة الحمراء.

استمر في القراءة

بين بول شاوول ويحيى جابر: من حضر ومن غاب


بين بول شاوول ويحيى جابر: من حضر ومن غاب أسعد ذبيـان يجمع بين بول شاوول ويحيى جابر مسرحٌ فاض بزواره بعد أيام من القحط والجفاف، وخشبة عمرها عشرات السنين وقف عليها عباقرة وشعراء ومجانين. يجمع بين الرجلين تتويجٌ لمسيرة، ووفاءٌ من الجمهور، وترقّب يليه تلهّف يتبعه تحفّز فشوقٌ لمعرفة الكيف: كيف تصنع من القصيدة مسرحية. إستعان شاوول بجواد الأسدي، فيما قرر جابر أن يحضر "الصحارات". يجمع بين الشاعرين موقعٌ إلكترونيّ يهزآن فيه، وجريدتين يعلنن فيها عن مواقفهما، وبرامج تلفيزيونيّة تنافست لى تقديمهما للمشاهد كعلمين من أعلام الثقافة اللبنانية المعاصرة. يجمع بين بول شاوول ويحيى جابر أسلوب متفلّت من العامود الكلاسيكي (كلا منهما على طريقته)، وكلمة "غولواز" في يم شعر الأول، "نسكافيه" خارجةً من إلقاء الثاني (يمكنهما أن يكملا معاً الساعة الأولى من الصباح). بين شاوول وجابر ذكرياتُ حرب أهليّة وتاريخ مع النضال الأدبي، وبين عرضهما المسرحي على خشابات بابل في الحمراء أيضاً فاصل زمني قدره ثماني وأربعين ساعة من وقت المشاهدين. في عرض بول شاوول، موسيقى الكمان والبيانو والعود، وفي عرض يحيى جابر موسيقى "الطنجرة" و"الجريدة" الممزقة و"النبريش". حضرت المرأة في مونولوج بول في جسدها، بينما أحضرها يحيى رغم الغياب عندما جسّدها وحدّثها وأحبها وجفاها. حضرت في عرض شاوول مرايا تحوّلت لأكفان رسمت عليها حروف هذيان باللون الأحمر القاني، بينما حضرت ذكريات القبر عند يحيى وهذيان عقله وعيونه الحمراء. حضر شارع الحمراء برمته عند الرجلين، فبول مهووس بمقاهيه ونسائه ومسارحه، ويحيى يسخر من شعرائه الكلاسيكيين في الهورس شو، وينبش قبراً على مسارحه، ويبكي أمه في الجامعة الأميركيّة. حضر مغطس أرخميدس عند بول شاوول لكنه لم يسعفه ليكتشف التراجيديا اليونانية، ولكن يحيى إتقن سرد الإلياذة ولو غاب عن عرضه آلهة تنصره. حضر التمثيل عند الشاعرين، فأبدع كلا منهما على طريقته، وحضر الصوت وعلا الصراخ، وحضر دلو الماء الذي غسل به شاوول رأسه وقميصه ونصف المسرح خلفه، والذي عزف عليه ونفخ به الموسيقي الذي رافق يحيى. حضرت السيجارة وقدح النبيذ في مونولوج "دفتر سيجارة"، في حين كانت "البيرة" المكسرة على رؤوس الأواني لتجسّد صوت قذيفة المشروب الرسمي لـ "خذ الكتاب بقوة". حضرت الدمعة والإبتسامة عند الحاضرين في عرض يحيى جابر، في حين استطاع بول شاوول تسمير العيون والآذان عليه (يمكن أن تحسب إيجاباً أم سلباً). حضر زاهي وهبه حفل بول شاوول، في حين حضر الشعر حفل يحيى جابر. الجملة القاسية تبرر بأنّ المقاطع المليئة بالرموز حذفها الشاعر (شاوول) من نصه – كنت أتوقعه أن يتلو المقطع الذي تحكي به السيجارة عن نفسها بأنه انتقاها من بينهنّ جميعاً -. حضر المسرح الممتد نحو الناس عند بول ليقترب من الجماهير (خطوة ذكية) في حين استطاع يحيى أن يرتفع بالجمهور إلى المنصة. حضر النص والإلقاء الشعريين عند بول (ولو أنّه اختزل المقاطع الأدسم)، في حين حضر المحامي الشاعر المستشرس في الدفاع عن أسلوبه في القصيدة المعجونة بتعابير الاستعمال اليومي عند يحيى. حضرت الحياة بعد الموت وطعم الحياة وحب الحياة (ربما للتدخين أكثر) في عرض بول شاوول، في حين حضر موت الوالد والوالدة وعقدة أوديب وقتل الأم والحرب وموت الرجال وقتل العامود الكلاسيكي وإعدام الصور الشعرية والجامدة لدى الآخرين، ومع ذلك بقيت الحياة جميلة تستحق الكفاح عند يحيى. في المجمل عرضين جميلين، كلٌ من زاوية كأنهما سيجارة وكوب قهوة، يمكنك أن تتناول الإثنين ولك اختيار أيّهما أشهى. وبما إنني أفضل القهوة سأقول: حضر الجسد عند بول شاوول في حين حضرت الروح عند يحيى جابر.

بول شاوول

بين بول شاوول ويحيى جابر: من حضر ومن غاب أسعد ذبيـان يجمع بين بول شاوول ويحيى جابر مسرحٌ فاض بزواره بعد أيام من القحط والجفاف، وخشبة عمرها عشرات السنين وقف عليها عباقرة وشعراء ومجانين. يجمع بين الرجلين تتويجٌ لمسيرة، ووفاءٌ من الجمهور، وترقّب يليه تلهّف يتبعه تحفّز فشوقٌ لمعرفة الكيف: كيف تصنع من القصيدة مسرحية. إستعان شاوول بجواد الأسدي، فيما قرر جابر أن يحضر "الصحارات". يجمع بين الشاعرين موقعٌ إلكترونيّ يهزآن فيه، وجريدتين يعلنن فيها عن مواقفهما، وبرامج تلفيزيونيّة تنافست لى تقديمهما للمشاهد كعلمين من أعلام الثقافة اللبنانية المعاصرة. يجمع بين بول شاوول ويحيى جابر أسلوب متفلّت من العامود الكلاسيكي (كلا منهما على طريقته)، وكلمة "غولواز" في يم شعر الأول، "نسكافيه" خارجةً من إلقاء الثاني (يمكنهما أن يكملا معاً الساعة الأولى من الصباح). بين شاوول وجابر ذكرياتُ حرب أهليّة وتاريخ مع النضال الأدبي، وبين عرضهما المسرحي على خشابات بابل في الحمراء أيضاً فاصل زمني قدره ثماني وأربعين ساعة من وقت المشاهدين. في عرض بول شاوول، موسيقى الكمان والبيانو والعود، وفي عرض يحيى جابر موسيقى "الطنجرة" و"الجريدة" الممزقة و"النبريش". حضرت المرأة في مونولوج بول في جسدها، بينما أحضرها يحيى رغم الغياب عندما جسّدها وحدّثها وأحبها وجفاها. حضرت في عرض شاوول مرايا تحوّلت لأكفان رسمت عليها حروف هذيان باللون الأحمر القاني، بينما حضرت ذكريات القبر عند يحيى وهذيان عقله وعيونه الحمراء. حضر شارع الحمراء برمته عند الرجلين، فبول مهووس بمقاهيه ونسائه ومسارحه، ويحيى يسخر من شعرائه الكلاسيكيين في الهورس شو، وينبش قبراً على مسارحه، ويبكي أمه في الجامعة الأميركيّة. حضر مغطس أرخميدس عند بول شاوول لكنه لم يسعفه ليكتشف التراجيديا اليونانية، ولكن يحيى إتقن سرد الإلياذة ولو غاب عن عرضه آلهة تنصره. حضر التمثيل عند الشاعرين، فأبدع كلا منهما على طريقته، وحضر الصوت وعلا الصراخ، وحضر دلو الماء الذي غسل به شاوول رأسه وقميصه ونصف المسرح خلفه، والذي عزف عليه ونفخ به الموسيقي الذي رافق يحيى. حضرت السيجارة وقدح النبيذ في مونولوج "دفتر سيجارة"، في حين كانت "البيرة" المكسرة على رؤوس الأواني لتجسّد صوت قذيفة المشروب الرسمي لـ "خذ الكتاب بقوة". حضرت الدمعة والإبتسامة عند الحاضرين في عرض يحيى جابر، في حين استطاع بول شاوول تسمير العيون والآذان عليه (يمكن أن تحسب إيجاباً أم سلباً). حضر زاهي وهبه حفل بول شاوول، في حين حضر الشعر حفل يحيى جابر. الجملة القاسية تبرر بأنّ المقاطع المليئة بالرموز حذفها الشاعر (شاوول) من نصه – كنت أتوقعه أن يتلو المقطع الذي تحكي به السيجارة عن نفسها بأنه انتقاها من بينهنّ جميعاً -. حضر المسرح الممتد نحو الناس عند بول ليقترب من الجماهير (خطوة ذكية) في حين استطاع يحيى أن يرتفع بالجمهور إلى المنصة. حضر النص والإلقاء الشعريين عند بول (ولو أنّه اختزل المقاطع الأدسم)، في حين حضر المحامي الشاعر المستشرس في الدفاع عن أسلوبه في القصيدة المعجونة بتعابير الاستعمال اليومي عند يحيى. حضرت الحياة بعد الموت وطعم الحياة وحب الحياة (ربما للتدخين أكثر) في عرض بول شاوول، في حين حضر موت الوالد والوالدة وعقدة أوديب وقتل الأم والحرب وموت الرجال وقتل العامود الكلاسيكي وإعدام الصور الشعرية والجامدة لدى الآخرين، ومع ذلك بقيت الحياة جميلة تستحق الكفاح عند يحيى. في المجمل عرضين جميلين، كلٌ من زاوية كأنهما سيجارة وكوب قهوة، يمكنك أن تتناول الإثنين ولك اختيار أيّهما أشهى. وبما إنني أفضل القهوة سأقول: حضر الجسد عند بول شاوول في حين حضرت الروح عند يحيى جابر.

يحيى جابر

أسعد ذبيـان

يجمع بين بول شاوول ويحيى جابر مسرحٌ فاض بزواره بعد أيام من القحط والجفاف، وخشبة عمرها عشرات السنين وقف عليها عباقرة وشعراء ومجانين. يجمع بين الرجلين تتويجٌ لمسيرة، ووفاءٌ من الجمهور، وترقّب يليه تلهّف يتبعه تحفّز فشوقٌ لمعرفة الكيف: كيف تصنع من القصيدة مسرحية. إستعان شاوول بجواد الأسدي، فيما قرر جابر أن يحضر “الصحارات”. يجمع بين الشاعرين موقعٌ إلكترونيّ يهزآن فيه، وجريدتين يعلنن فيها عن مواقفهما، وبرامج تلفيزيونيّة تنافست لى تقديمهما للمشاهد كعلمين من أعلام الثقافة اللبنانية المعاصرة. يجمع بين بول شاوول ويحيى جابر أسلوب متفلّت من العامود الكلاسيكي (كلا منهما على طريقته)، وكلمة “غولواز” في يم شعر الأول، “نسكافيه” خارجةً من إلقاء الثاني (يمكنهما أن يكملا معاً الساعة الأولى من الصباح). بين شاوول وجابر ذكرياتُ حرب أهليّة وتاريخ مع النضال الأدبي، وبين عرضهما المسرحي على خشابات بابل في الحمراء أيضاً فاصل زمني قدره ثماني وأربعين ساعة من وقت المشاهدين.

استمر في القراءة

بدك تكون رئيس جمهورية قلبي.. بـ6000$؟


 أسعد ذبيان 30/04/2010 لم تنتبه نسرين شاعر إلى أنّ الغد هو الأول من أيار، وبالتالي عيد العمال ويوم عطلة رسمية، فحملت يافطة كتب عليها: "إذا بكرا ما نزلنا عالشغل، بينهار إقتصاد البلد". يلاحظ أحدهم فتجاوبه: "المهم المعنى". رفعت اللوحة أمام مسرح المدينة في شارع الحمراء ضمن تحرك جمعية "نسوية" المعارضة لإستخدام المرأة كأداة جنسية لبيع السلع، والعقلية الرجعية التي تريد حبس السيدات في أقفاص البيوت. يأتي هذا التحرك بعد أن فاضت الكأس عندما صدح صوت المطرب محمد اسكندر بأغنية: "جمهورية قلبي" التي يريد فيها لحبيبته أن تتوقف عن العمل، "ليغنّجها" ويدلّلها، كأنما المرأة ولدت لخدمته في المنزل. يأتيه الجواب اللاذع من ناي الراعي، فتحمل لوحة كتبت حروفها بالأحمر: "أجني 6000 دولار أميركي في الشهر، بدك تكون رئيس جمهورية قلبي؟". مزح الشباب يخفي بعض الحقيقة في جوابهم على هذا السؤال: "قد أعيد النظر وأقبل"، يقول أحد المتوقفين. لين هاشم، إحدى المنظمات تقفز من عدسة شاشة إعلامية إلى أخرى، ومن تصريح تلفزيوني لآخر إذاعي، في وسط غابة من الصحافيين، وقلة من السيدات المتظاهرات، وعدد أقل من الرجال المتضامنين. يحذف زينون صديقه سعد إلى الطرف ويسأله عن مشاركة المثليين في التحرك، يأتيه الجواب: "ربما لأنهم في خندق واحد، الإضطهاد الذكوري ذاته". يقف المطرب صاحب الأغنية الملتزمة وسام حمادة، ويعلن: "هناك مقولة بأنّ المرأة نصف المجتمع، أنا أرفض هذا الأمر، هي ثلاثة أرباعه إن لم يكن أكثر"، ويكمل بأنه متضامن مع حق المرأة في العمل والتعلم وأن تكون متساوية في الحقوق مع الرجل. "بدي كون رئيسة جمهورية لبنان" تقول إحدى اليافطات، وأخرى تعلن: "أغلبية القضاة، نساء. أغلبية المحامين، نساء. أغلبية الطلاب، نساء". إحداهن تمر في الشارع، وتحاول سرقة النظر علّها تقرأ فتفهم مغزى التحرك، تتوقف لهنيهة، ترفع نظارتها السوداء، تقرأ، تحرك يدها اليمنى نزولاً، تشتم، وتكمل سيرها وصوت الكعب العالي يصدح. تكمل الصحافة نقل الصوت والصورة، لكن بعض المشاركين يتهامسون: "ماذا حققنا؟". الجواب: "علّ الأجيال القادمة تنشأ وتُربى على معرفة أنهم ولدوا من بطون أمهاتهم، فليقدروها. يكفينا ذلك"، تقول إحدى المشاركات.

تصوير علي لمع

أسعد ذبيـان

منشور في موقع شباب السفير

لم تنتبه نسرين شاعر إلى أنّ الغد هو الأول من أيار، وبالتالي عيد العمال ويوم عطلة رسمية، فحملت يافطة كتب عليها: “إذا بكرا ما نزلنا عالشغل، بينهار إقتصاد البلد”. يلاحظ أحدهم فتجاوبه: “المهم المعنى”. رفعت اللوحة أمام مسرح المدينة في شارع الحمراء ضمن تحرك جمعية “نسوية” المعارضة لإستخدام المرأة كأداة جنسية لبيع السلع، والعقلية الرجعية التي تريد حبس السيدات في أقفاص البيوت.
يأتي هذا التحرك بعد أن فاضت الكأس عندما صدح صوت المطرب محمد اسكندر بأغنية: “جمهورية قلبي” التي يريد فيها لحبيبته أن تتوقف عن العمل، “ليغنّجها” ويدلّلها، كأنما المرأة ولدت لخدمته في المنزل.
يأتيه الجواب اللاذع من ناي الراعي، فتحمل لوحة كتبت حروفها بالأحمر: “أجني 6000 دولار أميركي في الشهر، بدك تكون رئيس جمهورية قلبي؟”. مزح الشباب يخفي بعض الحقيقة في جوابهم على هذا السؤال: “قد أعيد النظر وأقبل”، يقول أحد المتوقفين.

استمر في القراءة