الغاية والوسيلة: بعبع زياد الرحباني


Ziad

ملاحظة: معظم الوصف أدناه للإيديولوجيات والأديان والشخصيات يعبّر غن القناعة السائدة لدى عموم الناس وليس رأي الكاتب التهكمي بحكم المعاناة والنقدي بحكم “التمايز” ومحاولة الإنخراط لعقد موجودة من الجيل الماضي  (إلا عند فتح المزدوجين) 

عكفت منذ فترة على التفكير بأنّ البشريّة خلطت في يوم من الأيام بين الغاية والوسيلة.. واليوم سأعطي نموذج وهو “زياد الرحباني”. زياد يدعو الناس للتخلص من التقاليد والأيديولوجيات والعشيرة وغيرها من المربعات المغلقة من خلال كتاباته، ومسرحياته، وموسيقاه (هلق من الممكن إنو كون أنا محشش وفهمت هيك).. مثله مثل الفكر الشيوعي (قبل ما تصير الشيوعية موجودة لتخدم موسكو مش بالعكس)، الذي ينتمي إليه، ومثل الأديان السماوية (هيك بقولوا) التي جائت لتخلّص الناس من الإنتماء للعشيرة والقبيلة للإنتماء إلى الأمة (الإسلام – طبعاً قبل ما يموت النبي ويصير في سنة وشيعة فيما بعد) أو الأب أو المحبة (المسيحية – طبعاً قبل ما ينصلب المسيح ويصير الصليب رمز وتصير الكنيسة الوكيل الشرعي لـ الله).. سأزعج بعض اليساريين بالقول أنّ تلك كانت رسالة الرأسمالية كذلك (على فكرة لقب الرأسمالية أطلق عليها من قبل مناهضيها).. فالفكر الفردي كان يدعو لملكّية الفرد كوسيلة لوصول غايات أكبر (حسب هرم موسلو للحاجات) قبل أن تصبح الرأسمالية بنفسهاغاية من خلال الهوس بجمع المال والمقتنيات ومن بعدها “علقوا” بآخر درجة على الهرم.. المهم (وبلا طول سيرة) زياد من هذا النوع.. من الداعين إلى العودة إلى الجذور (مش أبو الزلف)، إلى كسر التابوهات.. إلى كسر احتكار أمك وأبوك ومجتمعك والبطريرك أم المفتي (ومن بعدهم التلفزيون والكتب والجنس – عفواً البورنو -) لعقلك!

استمر في القراءة

Advertisements

جورج وسوف يمتنع عن إقامة حفله المزمع في إسرائيل


الحدث: جورج وسوف يمتنع عن إقامة حفل في إسرائيل

المكان: تل أبيب

الزمان: 19 كانون الثاني 2012 – الساعة 4 بعد الظهر

الظروف: حاييم وإسحق وابريانا وجوهانا أصدقاء اسرائيليين على الفايسبوك يتلقون خبر من الصفحة الرسمية للفنان جورج وسوف في إلغاء حفلته المزمع عقدها في أحد دور الأوبرا الرسمية (التابعة للدولة) في تل أبيب على خلفية طلب بعض الشباب الاسرائيلي له بعدم الحضور بسبب مواقفه الداعمة لأعداء اسرائيل (سوريا وحزب الله)  ويعلقون على الموضوع.

حاييم: هذا تخلف، لا يمكن لنا ان ندعي بأننا حضاريين ونمنع الفن

ايزاك (اسحق): ماذا تقول؟ هذا الفنان أعلن صراحة دعمه لسوريا ونحن في حالة حرب معها

ابريانا: لا من الغير المنطقي أن يحصل هذا الأمر.. الفن رسالة. رسالة لا تعرف الحدود ولا اللغة ولا الحواجز؟ هذا غباء.. أنا أخجل من كوني اسرائيلية

حاييم: أنا أوافقك إيريانا، لا يفرقون بين الرسالة الفنية والسياسة..

جوهانا: ماذا؟ نحن نخجل أن يكون بيننا من يدعم الأعداء. يعني جورج وسوف مطرب صوته جميل وكلماته جيدة  ولكن لا أستطيع أن أتقبل أن أعطي مالي لرجل يقف مع أعدائي – حتى فرنسا وألمانيا تمنع معاداة السامية – لا يمكن قول كلمة خاطئة عن يهودي واحد في أي من هذه الدول – فكيف لنا أن نقبل على مسارحنا من يشتمنا؟

ايزيك: الفن عبارة عن رسالة.. والرسالة هي في الوقوف إلى جانب الحق.

حاييم: أنا أحب كتيبة 5، فرقة فلسطينية من مخيمات لبنان وأريد أن أسمعهم..

جوهانا: هذا هو الأمر. تسمع لأغاني الأعداء – بالطبع ستحبهم وستسمي نفسك منفتح الآن

ايزيك: الفارق بيني وبينك يا حاييم إنني أهتم لا بنوع الموسيقى ولا بكلمات الأغنية، انما بالرسالة السامية للموسيقى، وإن كانت رسالة الوسوف دعم المجرمين وحبهم، فلا يمكنني قبوله  – هي قصة مبدأ!

استمر في القراءة

لينــا شمــاميــان: كــلّ مــا كــان يتكــلّم


شماميان على مسرح « الأونيسكو» - جهينة خالدية

 

أسعد ذبيـان

نشرت في جريدة السفير

 

تشير الأرقام في سيارة التاكسي إلى الساعة الثامنة مساءً وخمس دقائق. واليافطة في الشارع تعلن: «قصر الأونيسكو». البطاقات على الباب تبلّغ حاملها بمقعده: الرقم 31. وصورة سيدة يلفها شالٌ أبيض. وجوه الناس في مدخل المسرح تشي بالحماس والترقب والتلهف.

يعلن الضوء الخافت اقتراب البداية، وتصفيق الجماهير لأكثر من مرة يفضح توق الجالسين على المقاعد الحمراء للسيّدة التي ستعتلي خشبة المسرح. الوقوف يؤدي المعنى في احترام النشيد الوطني اللبناني، والفستان الأبيض وخلفية الأضواء التي تشبه مسارح مارلين مونرو (قال أحد المشاركين أنّها أقرب إلى زينة شجرة عيد الميلاد) يعلنان ظهور النجمة.

استمر في القراءة

من عجائب فيروز


من موقع شباب السفير

 

 

أسعد ذبيـان

منشور في موقع شباب السفير

 

ما الذي فعلته فيروز أمس؟ ظهرت على خشبة المسرح وأدّت أغنياتها من دون أن تنبس بشفّة غير الغناء، كعادتها التي درجت عليها منذ ما بدأت الذاكرة تسجل. فيروز فعلت ما لم يفعله أحدُ منذ عقود. وحّدت شخصياتٍ من كافة الألوان، التقوا من دون زيف، عراة على الرغم من بدلاتهم الفاخرة، ولكنّ هذا نتركه لتحليل كتّاب العواميد السياسيّة.
فلنبدأ بالعنوان: “إيه في أمل” كأنّما اقتطعته من بابلو نيرودا: “أجل، حالنا لا بأس بها، شكراً لكم، ما زال لدينا أمل”.
فيروز وحّدت التصفيق، لا تشجيع على طريقة الحكمة أو الرياضي، بل على إيقاع الموسيقى والمهارة، والأخيرة سيدة نفسها، أو كما يقول محمود درويش: “والوحي حظ المهارة إذ تجتهد”. ولذلك كان الوحي مخيماً فوق الأجساد التي تمايلت كلها بالألوف دفعة واحدة، على صوتٍ ملائكيّ غنّى “سلّم على بكرا”.

استمر في القراءة

شارع الحمراء: الموسيقى تتكلم


أسعد ذبيـان

نشرت في موقع شباب السفير

يجمع شربل روحانا حوله المئات من عشاق أغانيه في أول شارع الحمراء، يتداعون للوصول للخطوط الأماميّة. مايا تعاتب رفيقتها لأنها أخرتها خمس دقائق عن بدأ الحفلة، لا يمكنها احتمال فكرة أن يفوتها الكثير. يغني شربل روحانا، وينساب معه الجمهور.
الغالبية من جيل الشباب. في العادة هم جمهور يصطفّ على أبواب “الفوروم” لحضور حفلات الفنانين الأجانب والموسيقى الغربيّة، ولكن وقع الأسماء على خشبة المسرح الأول فعلت فعلها بالجماهير، فسارعت للاصطفاف في الأمتار العشرين خلف المسرح لتغني وترقص.

مهرجان الموسيقى: بيروت غنت.. بيروت جنت


http://www.flickr.com/photos/assaadth/sets/72157624207215563/

أسعد ذبيـان

جنت شوارع بيروت البارحة في عيد الموسيقى.. وسط البلد وساحات الشهداء والنجمة اشتاقت لهذا الجمع الغفير من الشباب اللبناني (ذلك أنّ معظم روادها من السواح في الآونة الأخيرة – أي منذ أسست سوليدير وارتكبت ما ارتكبت) الذي سرقته شوارع مثل الحمراء ومونو والجميزة. وفي تظاهرة فنية ندرت، إستطاعت الموسيقى أن تجمع اللبنانيين من مختلف مشاربهم السياسية ومن أغلب الشرائح الإجتماعية (ولو طغى في بعض الأحيان المقتدرين) متناسين انقساماتهم حول السياسة والمونديال ليرقصوا على أنغام موسيقى من شتى أنحاء العالم. ساحة الشهداء، وحديقة سمير قصير قرب جريدة النهار، والحمامات الرومانية الأثرية، وأسواق بيروت، وسينما البلد شبه المنهارة، وشارع الحمراء إضافة إلى ثلاث كنائس في وسط البلد، كانت المسرح لنشاطات الفن لأول (الموسيقى) ما بعد الثامنة مساءً. إنّه العام العاشر لهذه الإحتفالات في بيروت (في ما عدا العام 2007)، الذي توزع فيه عشرات الفنانين ليحيوا الأمسية حتى الفجر. بين المسافات الضئيلة التي تفصل بين أماكن العزف، توزع المارة يذرعون الطريق ذهاباً وإياباً، ذاك الذي يتكئ على صديقة بعد أن أتعبه الرقص، وتلك التي تتوقف مع رفيقاتها لتلتقط صورها خلفيتها جنون الناس، وأولئك الذين يسارعون إلى اللحاق بعرضٍ بدأ للتو. أكثر من خمسين عرضاً موسيقياً مدة الواحد تتراوح بين الخمسة وعشرين دقيقة والساعة، بالإضافة إلى عازفي الراب الذين افترشوا شوارع وسط المدينة بين المطاعم الفاخرة ليقدموا وصلاتهم.

بيروت غنت.. بيروت جنت! جنت شوارع بيروت البارحة في عيد الموسيقى.. وسط البلد وساحات الشعداء والنجمة اشتاقت لهذا الجمع الغفير من الشباب اللبناني (ذلك أنّ معظم روادها في الآونة الأخيرة – أي منذ أسست سوليدير وارتكبت ما ارتكبت) الذي سرقته شوارع مثل الحمراء ومونو والجميزة. وفي تظاهرة فنية ندرت، إستطاعت الموسيقى أن تجمع اللبنانيين من مختلف مشاربهم السياسية ومن أغلب الشرائح الإجتماعية (ولو طغى في بعض الأحيان المقتدرين) متناسين انقساماتهم حول السياسة والمونديال ليرقصوا على أنغام موسيقى من شتى أنحاء العالم. ساحة الشهداء، وحديقة سمير قصير قرب جريدة النهار، والحمامات الرومانية الأثرية، وأسواق بيروت، وسينما البلد شبه المنهارة، وشارع الحمراء إضافة إلى ثلاث كنائس في وسط البلد، كانت المسرح لنشاطات الفن لأول (الموسيقى) ما بعد الثامنة مساءً. إنّه العام العاشر لهذه الإحتفالات في بيروت (في ما عدا العام 2007)، الذي توزع فيه عشرات الفنانين ليحيوا الأمسية حتى الفجر. بين المسافات الضئيلة التي تفصل بين أماكن العزف، توزع المارة يذرعون الطريق ذهاباً وإياباً، ذاك الذي يتكئ على صديقة بعد أن أتعبه الرقص، وتلك التي تتوقف مع رفيقاتها لتلتقط صورها خلفيتها جنون الناس، وأولئك الذين يسارعون إلى اللحاق بعرضٍ بدأ للتو. أكثر من خمسين عرضاً موسيقياً مدة الواحد تتراوح بين الخمسة وعشرين دقيقة ساعة والساعة، بالإضافة إلى عازفي الراب الذين افترشوا شوارع وسط المدينة بين المطاعم الفاخرة ليقدموا وصلاتهم. البارحة، علت الأصوت والنغمات. كان الحديث كله مضبوط الإيقاع، لا نوتة تعلو على أخرى، ولا ضربة خارج الوتر. الأغنية سيدة الموقف، ورقصات الأجساد سحرة المدينة. أطلق الشباب العنان لنفسهم، فهذه الأمسية لا تحتاج إلى موافقة الأهل أو مواعيد محددة للعودة إلى المنزل، لأنّ العرس والمشاركة وطنيين. ربما هذا الأسلوب الذي لجأت إليه إحدى الصبايا لإقناع أحدهم: "كل الناس مبسوطين.. كلها مرة وحدة بالسنة" تحدّث الطرف الآخر على الهاتف. لم تقتصر الفرحة على اللبنانيين أو على الكبار فحسب، بل اصطحب السياح والعمال الأجانب عائلاتهم وخرجوا ليحكوا اللغة ذاتها التي تفهمها البشرية: الموسيقى. هناك في الزاوية اليمنى من ساحة الشهداء، وخلفية جامع الأمين، كان طفلين يرقصان على ألحان البلوز والروك لفرقة دا ميزيشانس. فرقتي آيفويس (راب فلسطيني) وشابا (فولك) ترقبها كثر في أول عروض الأمسية، في حين أنّ الحمامات الرومانية اكتظت بالجموع الغفيرة التي أمّت صلاة غوس فرح (فولك لبناني) حتى فريق الأطرش (هيب هوب) مروراً بإينكومبيتانتس (بوب) وغازي عبد الباقي (فانك سامبا عربي) (ولا تسألوني عن معنى الأخيرة – فخبرتي الموسيقية على قدي). حوالي منتصف الليل، إفترش الناس الطرقات والأدراج بعد أن تعبوا من الرقص لساعات، فاحتضن الحبيب حبيبته، قبل ان يحمل الليل نسائم البحر التي أرخت من وطأة حرارة الطقس، وأضرمت حرارة الروح. عشاقُ في كل مكان، لم ينافسهم سوى المشروب الكحولي الذي تمدد على أيدي وشفاه الحاضرين. ظلمة ونور خافت، فكحول، فموسيقى، فجو رومنسي، مع وجود شريك، فلا تسأل: "أمّا بعد؟". منتصف الليل عدى منذ أربعين دقيقة، المسرح سيغادره محييه عمّا قليل، فما العمل. إنها القبة التي ستتوّج السهرة. عشرات توافدوا إلى السينما القابعة في أعلى ساحة الحرية، والتي تلقت قنابل لا تحصى إبان الحرب، قبل أن يقرر نادي البايسمنت الليلي أن يفتح ذراعيه وأبواب السينما لإستقبال الساهرين حتى ساعات الصبح. لم يتخلف الشباب عن الموعد، ولم يفوتوا الفرصة., فعلى الرغم من السلالم المعتمة، والحرارة العالية، والزحمة الخانقة، كانوا بالمئات في قلب القبة يتراقصون ويميلون مع أنغام موسيقى الترانس والهاوس وغيرها. شاشة عملاقة منصبة في الأمام، تسمّر عيون المشاهد إلى الشاشة، فتثبث عينيه، ويتحرك جسده كأنه أشبه بدمسة تحركها خيوطٌ وهميّة. إنّه الجنون الجميل بعينه في شوارع بيروت في الأمس. العيب الوحيد الذي يؤخذ على المنظمين هو الجانب الإعلامي الذي لم يطال شريحة واسعة، وحتى الإعلان عن الحدث السنوي كان أقل من المستوى، كل ما جرى (على حد علمي) هو ملصقات في شوارع الحمراء، ومجموعة فايسبوكية أرقام مؤكدي الحضور فيها حوالي ال2200 في حين حضر أضعاف هؤلاء للمشاركة بعد أن تلقوا اتصالات هاتفية ورسائل من رفاق على شاكلة: "ولعانة الديني بالدي تي.. وينك؟ ياللا ناطرينك". لقراءة التغطية الإعلامية التي جرت من الإعلام، كما يجدر الإطلاع على هذه المقالة النقدية والقيمة للصحافي بشير صفير في جريدة الأخبار.

البارحة، علت الأصوت والنغمات. كان الحديث كله  مضبوط الإيقاع، لا نوتة تعلو على أخرى، ولا ضربة خارج الوتر. الأغنية سيدة الموقف، ورقصات الأجساد سحرة المدينة. أطلق الشباب العنان لنفسهم، فهذه الأمسية لا تحتاج إلى موافقة الأهل أو مواعيد محددة للعودة إلى المنزل، لأنّ العرس والمشاركة وطنيين. ربما هذا خو الأسلوب الذي لجأت إليه إحدى الصبايا لإقناع أحدهم: “كل الناس مبسوطين.. كلها مرة وحدة بالسنة” تحدّث الطرف الآخر على الهاتف.

استمر في القراءة

عمر الزعني: من بيروت لكل الناس


  أسعد ذبيـان  عمر الزعني: من بيروت لكل الناس  مسرح فارغ، وجمهورٌ يترقّب! شابان يتصفّحان كتاباً للمحتفى به، الصفحة الثانية عشر منه عنوانها: (عمر الزعني، إبن بيروت). إثنا عشرة دقيقة بعد الثامنة (الموعد المضروب لبدأ العرض في القاعة الكبرى من قصر الأونيسكو). ما تزال الجماهير تتوافد (بحكم العادة اللبنانيّة في الحضور المتأخر – يسمّونه بريستيج) وتملأ مقاعد صدر الثقافة الحمراء. يكمل الشابين قراءة الكتاب (عمر الزعني: موليير الشرق)، يفتح أولهم ويقرأ من نثر قصيدة "أبو عفيف"، بينما يلتهم ثانيهم من خلف نظارته ذات الكادر الأسود السطور القصيرة.  لم أسمع بعمر الزعني قبل أن استوقفني ملصق جذاب يعلن عن هذه الحفلة بالتحديد منذ يومين في شارع الحمراء (أو ربما هي دعوة الفايسبوك – لا يهم). لم أكن أعرف أنّ هذا الرجل ألّف أغنية "يا ريّس" التي عدلها عبد الوهاب وغنّها "وديع الصافي". لم أعرف  أنّ هذا الرجل عاش وتنقّل وعاشر واكتشف ودندن ورنّح وغنّى في أزقة بيروت منذ قرابة المئة عام. (أصلاً لم يخطر على بالي أن أحدهم كان متفرغاً لهذا الأمر منذ مئة عام – كل ما علّموني إياه عن تاريخ لبنان كان: الحكم العثماني - الحرب العالميّة الأولى – الإنتداب – الحرب اعالميّة الثانية – مفرقعات ناريّة أنشأت استقلالاً –النكبة – الثورة البيضاء 1952 – ثورة 1958 –  محاولة إنقلاب 1961 – النكسة – الحرب الأهليّة – حرب الجبل – حرب المخيمات – الإتفاق الثلاثي – حرب العلمين – حرب التحرير – حرب الإلغاء.. فظننت أنّ الأجيال الماضية لم تكن تعرف أن تغني أو ترقص أو تفرح أو تمرح). القاموس الموسيقي يبدأ بحرب الهيفاء وينتهي بالروبي (لا ليس العملة الروسيّة).  حسناً بالعودة للموضوع، لم أعرف أنّ أحدهم نظم العديد من أجمل الأغاني الشعبيّة في خمسينيات القرن الماضي باللهجتين اللبنانيّة والمصريّة يمكن أن يكون رجلاً يلبس طربوشاً أحمر ويتجوّل في شوارع المزرعة والصيفي والأشرفيّة والرميل. (إنو ليك شو بدقة، شو مفكرة وحي إلهي؟)!  "ناطرين.. ناطرين.. كل الناس ناطرين.. بس كل واحد ناطر شي".. بهذه الكلمات بدأت عريفة الحفل الأمسية، موجهةً تحيّة من "نادي لكل الناس" الذي نظم الحفل تخليداً لذكرى "ضمير الشعب، عمر الزعني". يبدو أنّ الزعني كان متابعاً نهماً لمسرح عصره ليعلن هذه الكلنات التي ذكرتني بانتظار غودو. بعدها كلمة قريب أم حفيد المحتفى به (الزعنّي الصغير) على الرغم من كونه مختار محلّة، فـ"كليشيه" تقديم الدرع التكريمي.  شاركني العديد من الحضور الدهشة ذتها عندما قدّم الفنانين أحمد قعبور وعابده صبرا مشهداً مسرحياً قصيراً عرّفا به عن "موليير الشرق". دخل قعبور أولاً، وقف خلف المذياع، رتّب أوتار حنجرته، وبدأ: "هو شاعر الشرق، ضمير بيروت، هو وجدان لبنان، هوصديق الصيادين، ورفيق الطيّبين، هو العربيّ الأمين الذي نّى للشام من قلب بيروت، هو نصير الضعفاء، هو حامل راية المراة.." قبل أن تدخل المرأة (عايدة صبرا) وتقطع عليه تعداد الصفات. كانت تحاول الوصول (في المشهد المسرحي) إلى مخفر الأونيسكو (يقع خلف القصر) لكنّها تفاجأت بوجودها على المسرح. تسأل عن موضوع الحفل، وهي تحمل أكياساً (إثنين، واحد في كل يد). تستفسر بأسئلة حشريّة تستفز المقدّم بعد أن أخبرت جميع الحاضرين عن مشكلة المبنى الذي تقطنه مع "النش" من السقف، و"أبو عدنان" (جارها) المتضايق. ينتهي الديولونج (من مونولوج) ويبدأ عرض الوثائقي حول عمر الزعني، الرجل الذي عاش حربين عالميّتين. شاعر الشعب الذي لم يمش في جنازته كثر، ولكنّ الكلّ غنى مواويله. الإنسان الذي نظم: "ما بهوى حد.. ما بكره حد.. ما عندي فرق.. بين الجمعة والحد".  بعد السينما والمسرح، جاء دور الغناء. أربعة صعدوا على الخشبات، (مشروع ليلى، ومنير الخولي، وتانيا صالح، وأحمد قعبور). الكل التزم بأغنيات ثلاث من كلمات المحتفى به، إلا قعبور الذي "غش" وغنّى "بدي غنّي للناس". بدأ أعضاء مشروع ليلى الذين اتحفوا الحضور بموسيقاهم، ولكنّ كلماتهم لك تكن واضحة بنفس القدر. الشاب الإنطوائيّ حامد سنّو صاحب السروال القصير والقميص الأسود يغنّي بصوت خلاب، وجمهورٌ يتمايل مع الموسيقى. يدخل منير الخولي، الذي لا يجيد الوقوف في مكان واحد، بل بتنقل على المسرح، مرحٌ ومضحك. قبل أن يغنّي يعلن بهذه الطريقة عن إعجابه بالزعنّي: "شو كنت عم بتقول يا منير ورا الكواليس؟.. شو هيي الجملة؟ آه إيه.. نحنا مش ذرة ملح ببحره (للزعني)". رافق الفنانة تانيا صالح، كريم خنيصر ضابط الإيقاع (لم أفهم لماذا دخل بالقبعة المكسيكيّة ولماذا تجوّل كثيراً في المتر المربع بين آلاته الموسيقيّة عوضاً عن أن يعزف شيئاً – ما أدراني أنا؟). وتانيا المتألقة دوماً قرّرت تغيير كلمات أغنية "يا ريّس" تماماً مثل ما غيّرت قبعاتها على المسرح لتستقرّ على طربوشاً لماعاً أخفى بريق وجهها قبل أن تقرر انتزاعه. أمّا أحمد قعبور فقد كان الختام معه "مسكاً"، يخبرك قصّة من العام 1950 كأنّما كان شاهداً حياً عليها (ولعله بالفعل كان؟"  قبل أن ينقلك بصوته وبكلمات عمر الزعني إلى أيام الأسود والأبيض وأبو سليم وأسعد وفهمان عندما وعينا على الشاشة في زاوية غرفة جلوسنا.  أمسية جميلة، أو "رخيصة وكويسة" كما قال أحد المشاركين، نجح خلالها "نادب لكل الناس" بجمع العشرات من المشاركين الذين استمتعوا بالتلاوين الفنيّة، والنقد البسيط اللاذع. كانت أمسية الإعتراف بأنّ لبنان لم يتغيّر منذ الأزل، وما انطبق على أيام أجدادنا، ينطبق علينا. فكما قال الزعنّي: "الشرف أعطاك عمره – والحيا انتهى أمره – والوفا اختفى اسمه – أما الدين باقي قشره".

بعدسة سعد الكردي

أسعد ذبيـان

مسرح فارغ، وجمهورٌ يترقّب! شابان يتصفّحان كتاباً للمحتفى به، الصفحة الحادية عشر منه عنوانها: (عمر الزعني، إبن بيروت). إثنا عشرة دقيقة بعد الثامنة (الموعد المضروب لبدأ العرض في القاعة الكبرى من قصر الأونيسكو). ما تزال الجماهير تتوافد (بحكم العادة اللبنانيّة في الحضور المتأخر – يسمّونه بريستيج) وتملأ مقاعد صدر الثقافة الحمراء. يكمل الشابان قراءة الكتاب (عمر الزعني: موليير الشرق)، يفتح أولهم ويقرأ من نثر قصيدة “أبو عفيف”، بينما يلتهم ثانيهم من خلف نظارته ذات الكادر الأسود السطور القصيرة.

لم أسمع بعمر الزعني قبل أن استوقفني ملصق جذاب يعلن عن هذه الحفلة بالتحديد منذ يومين في شارع الحمراء (أو ربما هي دعوة الفايسبوك – لا يهم). لم أكن أعرف أنّ هذا الرجل ألّف أغنية “يا ريّس” التي عدلها عبد الوهاب وغنّاها “وديع الصافي”. لم أعرف  أنّ هذا الرجل عاش وتنقّل وعاشر واكتشف ودندن ورنّح وغنّى في أزقة بيروت منذ قرابة المئة عام. (أصلاً لم يخطر على بالي أن أحدهم كان متفرغاً لهذا الأمر منذ مئة عام – كل ما علّموني إياه عن تاريخ لبنان كان: الحكم العثماني – الحرب العالميّة الأولى – الإنتداب – الحرب العالميّة الثانية – مفرقعات ناريّة أنشأت استقلالاً – النكبة – الثورة البيضاء 1952 – ثورة 1958 –  محاولة إنقلاب 1961 – النكسة – الحرب الأهليّة – حرب الجبل – حرب المخيمات – الإتفاق الثلاثي – حرب العلمين – حرب التحرير – حرب الإلغاء.. فظننت أنّ الأجيال الماضية لم تكن تعرف أن تغني أو ترقص أو تفرح أو تمرح). القاموس الموسيقي يبدأ بحرف الهيفاء وينتهي بالروبي (لا ليس العملة الروسيّة). وبحرب الإليسا والنانسي.

استمر في القراءة